شفقنا العراق-قد يتحول استبدال العملة إلى فرصة لإعادة جزء من الكتلة النقدية الموجودة خارج المصارف، لكن نجاح الخطوة لا يرتبط بحذف الأصفار وحده، بل بوضوح إجراءات الاستبدال وقدرة النظام المصرفي على استعادة ثقة المواطنين.
بين تصريحات تتحدث عن قرار لتغيير العملة وحذف الأصفار، وأخرى تضع الخطوة في إطار الدراسة، وجد العراقيون أنفسهم أمام حديث متضارب بشأن ملف يمس أموالهم ومدخراتهم مباشرة.
ورغم حساسية القضية، لا تزال التفاصيل الرسمية قاصرة عن تقديم صورة متكاملة بشأن ما يجري، فيما تتسع الأسئلة حول قيمة الدينار، ومصير الأموال المكتنزة، وإمكانية انعكاس حالة عدم اليقين على السوق وحياة الناس والثقة بالنظام المالي.
قلق يسبق أي تغيير
بالنسبة للمواطن، لا تبدأ القضية من عدد الأصفار المطبوعة على الدينار، بل من مصير الأموال التي يحتفظ بها. فالحديث عن تغيير العملة يطرح أسئلة مباشرة مثل هل ستتغير قيمة المدخرات؟ كيف ستُستبدل الأوراق الحالية؟ وهل ستكون هناك قيود على المبالغ الكبيرة؟ أم أن العملية لن تتجاوز إعادة احتساب القيم بوحدات نقدية أصغر؟
ويرى الخبير المالي مصطفى حنتوش أن أحدى المخاطر تكمن في أن يفهم المواطن تغيير العملة باعتباره تغييرا في سعر الصرف.
ويقول حنتوش: “الخطر ان يفهم المواطن ان العملية هي تغيير سعر صرف، فهذا غير صحيح والعملية هي تغيير عملة لها أسبابها، والقيمة ستبقى نفسها لا اكثر. مثلا 1000 دينار سيكون دينارا، و 250 دينار سيكون ربع دينار”.
الأسعار لن تتغير
من جانبه، يقدم عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر الفكرة نفسها بالأرقام، ويقول أن “الكتلة النقدية البالغة 113 ترليون دينار ستتحول إلى 113 مليار بمجرد أن ترفع الأصفار عنها لكن أسعار البضائع لن تتغير أبدا”.
ويوضح كوجر أن “اللجنة المالية بالدورة السابقة للبرلمان ناقشت موضوع تغيير العملة بشكل جاد، علما أن العراق قام بهذه الخطوة في تسعينات القرن الماضي بسبب التضخم، والأوراق المزورة، ولكن هذا غير موجود الآن”.
وعن السبب الذي دفع اللجنة لمناقشة الموضوع يقول كوجر، إن “السلطة تريد ايجاد حلول لحصر العملة بيد الحكومة، ومراقبة حركة الأموال في الدولة، والسعي لتحويل النظام او عملية الشراء من النقدي الى الإلكتروني. ولذلك، كانت احدى المحطات الرئيسية لتحقيق هذه النقاط الثلاثة هي بتغيير العملة، واحدى حالات التغيير هي برفع الأصفار.”
ويؤكد النائب أن الموضوع ليس خطير على العملة والمواطنين، وبموجبه سيصبح على سبيل المثال المليون دينار ألفا بالعملة الجديدة، والقيمة تبقى نفسها. وأما الأسعار والأجور والحسابات فيفترض أن تتحول بالنسبة ذاتها. لذلك لا يعني حذف الأصفار أن المواطن فقد جزءا من مدخراته أو أن الدينار أصبح أكثر قيمة.
لماذا تغيير العملة أصلا؟
وتقف وراء النقاش حول الأصفار قضية أكبر تتعلق بحجم النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي.
فالخبير المالي صفوان قصي يتحدث عن أكثر من 70 تريليون دينار خارج المصارف، ويرى أن استدعاء العملة أو استبدالها يمكن أن يكون وسيلة لإعادة جزء من هذه الأموال إلى النظام المالي والتحقق من شرعية الأموال التي تدخل إليه، في رأي يخالف جزئيا ما طرحه الخبير مصطفى حنتوش.
ويقول قصي أن عملية استدعاء أو استبدال أو حذف الأصفار ستساهم بإضافة قيمة للدينار العراقي، وعلى العراقيين أن يطمئنوا بأن قيمة الدينار محمية باحتياطيات البنك المركزي ولا يمكن للبنك المركزي الاضرار بحملة الدينار الشرعي”
متابعة حركة الأموال وتقليل الاعتماد على النقد الورقي
كما يربط قصي معالجة ظاهرة النقد خارج المصارف بالتوسع في المدفوعات الإلكترونية والشمول المالي، بما يسمح بمتابعة حركة الأموال وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
والفكرة ليست جديدة على النقاش النقدي العراقي. فالموقع الرسمي للبنك المركزي يدرج ضمن أبحاث الدكتور مظهر محمد صالح دراسة تعود إلى عام 2012 بعنوان “إعادة هيكلة العملة العراقية (مشروع حذف الأصفار الثلاثة وكلف المعاملات النقدية)”، ما يوضح أن المشروع سبق أن خضع للبحث منذ سنوات، من دون أن يشكل وجود الدراسة دليلا على وجود قرار تنفيذي حالي.
لكن محاولة استعادة النقد إلى الجهاز المصرفي تثير فكرة مفادها “لماذا بقيت كميات كبيرة من الأموال خارجه أساسا؟”.
من أين لك هذا؟
القضية الأكثر حساسية تتعلق بما إذا كان استبدال العملة سيستخدم للكشف عن مصادر الأموال الكبيرة وغير الشرعية كما قال الوزير مصطفى سند.
وبالعودة إلى الخبير حنتوش، فهو يحذر من تحويل هذه الفكرة إلى مصدر خوف للمواطن، ويرفض ربط استبدال العملة تلقائيا بتطبيق مبدأ “من أين لك هذا”، محذرا من أن التشدد أو الاعتقاد بأن بعض الأموال لن تقبل عند الاستبدال يمكن أن يدفع أصحابها إلى البحث عن بدائل.
ويقول: “في بعض الأحيان يقال لن تستلم العملة إلا من عبر تطبيق مبدأ (من اين لك هذا)، وهذا غير موجود بسياسات تغيير العملة. ما سيحدث سيكون سياسة مرنة عن طريق البنك المركزي والمصارف المجازة وبنافذة لا علاقة لها بالعمليات المصرفية، بل تقديم العملة المراد استبدالها بالجديد، ويتم التأكد من سلامتها، لا ان ترفض وفقا لهذا المبدأ الرقابي المطروح، وإلا سيتم توجه العملة للمضاربات بعملة اجنبية وعقارات وذهب. وهذا أمر خطر ويخيف المواطنين ويجب تجنبه.”

