شفقنا العراق-يتراجع حضور المشحوف، الزورق التقليدي الذي ارتبط بحياة سكان أهوار جنوب العراق لآلاف السنين، مع تقلص المساحات المائية وتفاقم آثار الجفاف، بعدما كان وسيلة أساسية للتنقل والصيد ونقل مستلزمات الحياة اليومية.
يمثل “المشحوف” بالنسبة إلى سكان أهوار جنوبي العراق أحد أبرز تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ يعتبر وسيلة التنقّل شبه الأساسية، فالسكن والعمل والحياة كلها في تلك المنطقة تتشكّل فوق الماء منذ آلاف السنين.
يتراجع ظهور “المشاحيف” التي كانت تتنقّل برشاقة فوق الماء وبين غابات القصب في الأهوار العراقية خلال السنوات الأخيرة، إذ كانت الأهوار في منتصف القرن الماضي تغطي نحو 20 ألف كيلومتر مربع، وتقلصت مساحتها لاحقاً مع تعرض مناطق واسعة منها للجفاف نتيجة التغير المناخي وتراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع (تركيا وإيران)، ومع انحسار منسوب المياه، انحسر استخدام المشحوف الذي يحتاج إلى ممرات مائية كي يؤدي وظيفته.
يبلغ طول المشحوف الخشبي التقليدي نحو خمسة أمتار، ويصل عرضه عند المنتصف إلى نحو متر، ويتميز بمقدمة ومؤخرة مرتفعتين، وجسم نحيل. وما زال حاضراً في ذاكرة كبار السن بكل تفاصيله، إذ تمتد مهامه من الصيد إلى زفة العروس، ومن المدرسة إلى قص القصب.
يستعيد العراقي عناد رسن (73 سنة) ذكرياته مع المشحوف قائلاً ، إن السؤال عن العمر الذي بدأ فيه قيادة المشحوف يبدو غريباً بالنسبة إليه، لأنه لا يتذكّر يوماً لم يكن فيه المشحوف جزءاً من تفاصيل حياته.
ويضيف: “وُلدت في الأهوار، وكان كل بيت لديه مشحوف أو أكثر، وكان الأطفال، ذكوراً وإناثاً، يعرفون كيفية التحرّك به. المشحوف ليس وسيلة ترفيه، بل وسيلة ضرورية لاستمرار الحياة، فالأطفال يستخدمونه للذهاب إلى المدرسة، والرجال يمارسون الصيد من خلاله، وتتنقل به العائلات بين القرى، وكان القصب الذي يمثل مادة أساسية في حياة سكان الأهوار ينقل على ظهره”.
تفاصيل حياة سكان الأهوار
بدورها، تقول ربيعة عبد الحسن (57 سنة) إن “المشحوف كان حاضراً في كل تفاصيل حياة سكان الأهوار، وكنتُ أستقله للذهاب إلى المدرسة التي تجمع أطفال قرى الأهوار المختلفة، وأستخدمه لمراقبة جاموس الأسرة، والذهاب مع الوالد أو الإخوة لصيد الأسماك والطيور. أكثر ما أستعيده بحنين هو المناسبات الاجتماعية، فزفاف العرسان كان يتحول إلى مواكب مائية تتقدمها المشاحيف التي تحمل العروس من بيت أهلها إلى بيت زوجها”.
غادرت ربيعة الأهوار في العشرين من عمرها للعيش في بيت زوجها بأحد أقضية محافظة ذي قار، الذي يبعد عن الأهوار بنحو 50 كيلومتراً، وتضيف: “عندما أزور أقاربي في الأهوار أشعر بألم كبير حين أرى المناطق التي كنت أتنقّل فيها بالمشحوف تحولت إلى يابسة، ويؤلمني أكثر شكل المشاحيف التي تحولت إلى هياكل متآكلة متروكة، وأراضي الأهوار التي أصيبت بالجفاف”.
من جانبه، يؤكد الناشط السياحي والبيئي في الأهوار، علي الفتلاوي، أن المشحوف يمكن أن يتحول من وسيلة نقل آخذة في الانحسار إلى عنصر سياحي مهم.
ويوضح أن “الزوارق الحديثة أخذت مساحة أكبر في نقل السياح المحليين والأجانب، لأنها أوسع وأكثر راحة، لكن المشحوف يمتلك ميزة لا تستطيع القوارب الحديثة مجاراتها، وهي شكله التقليدي، ورشاقته التي تمكنه من منح الزائر تجربة أقرب إلى حياة سكان الأهوار قديماً. هناك اهتمام يتزايد من قبل الجهات المختصة بالسياحة لإبراز المشحوف، وتعريف الزوار به، وترغيبهم في التجول عبره في الأهوار”.
ويلفت الصحافي حسين الشويلي إلى أن المشحوف يمثل وسيلة تنقل تاريخية مهمة ترتبط بشكل وثيق بحياة سكان الأهوار كجزء حيوي من العراق على مدى خمسة آلاف سنة.
وسيلة تنقّل مألوفة
ويضيف : “استخدمت المشحوف كثيراً خلال رحلاتي إلى مناطق الجنوب في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ووجوده لم يكن مقتصراً على الأهوار، بل كان وسيلة تنقّل مألوفة في الأنهار والممرات المائية في البصرة. أشاهد أخيراً عدداً كبيراً من المشاحيف محطماً أو مهجوراً بعد جفاف الأنهار والأهوار، وتظل الهياكل شاهدة على زمن كان المشحوف فيه ملك المياه”.
ويرى الباحث في الشأن التراثي العراقي، ستار البغدادي، أن “المشحوف يمثل أحد أقدم صور التكيّف الإنساني مع البيئة المائية في بلاد الرافدين، وتعود جذوره وفق الأدلة التاريخية والتراثية إلى آلاف السنين، مع وجود نماذج لقوارب مشابهة في الآثار القديمة”.
ويؤكد أن “المشحوف الذي يبدو زورقاً بسيطاً يحمل في تفاصيل صنعه وحركته قصة مجتمع كامل عاش على الماء، وصنع أدواته من بيئته الطبيعية، وربط بين قراه وبيوته بوسيلة النقل التقليدية، إذ كان المشحوف ينقل الأغراض والحيوانات والنعوش والعرسان”.
ويعود البغدادي إلى بدايات صناعة المشحوف، ليكشف أن “البحوث تشير إلى أنه صُنع بداية من قبل السومريين قبل خمسة آلاف سنة، وعلى الرغم من التطور الذي شهدته صناعة المشحوف عبر الزمن، لكنه بقي محافظاً على شكله وأحجامه المميزة، إذ يصنع حسب الحاجة، فبعض المشاحيف قصيرة كونها مخصصة لتنقل شخص واحد أو شخصين بشكل سريع، وبعضها بأحجام أكبر لنقل الأغراض والحيوانات وغيرها”.

