شفقنا العراق- يرى مختصون أن قانون الناجيات الإيزيديات أسس لإطار قانوني مهم، إلا أن ضعف التنفيذ، واستمرار التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، حال دون تحويل النصوص إلى واقع يضمن حياة كريمة للناجيات.
في الثالث من آب من كل عام، لا يستعيد العراق ذكرى مأساة عابرة، بل يعود إلى واحدة من أكثر الجرائم وحشية في تاريخه الحديث ففي مثل هذا اليوم من عام 2014، اجتاح تنظيم داعش قضاء شنكال، مرتكباً إبادة جماعية اعترفت بها الأمم المتحدة وعدد من البرلمانات والدول، بعدما قتل آلاف الإيزيديين، واختطف النساء والأطفال، وحوّل أجساد النساء إلى ساحات حرب وسوقاً للاتجار والاستعباد الجنسي.
وبين الاعتراف الدولي بالإبادة وتشريع قانون الناجيات الإيزيديات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أُنصفت نساء شنكال حقاً، أم أن العدالة ما تزال حبيسة البيانات والوعود؟
العدالة ليست قانوناً فقط… بل حياة تُستعاد
ترى الباحثة والناشطة المتخصصة بقضايا المرأة، الدكتورة بشرى الزويني، أن تقييم مسار العدالة يجب أن يكون موضوعياً، فلا يمكن الادعاء بأن العدالة تحققت، كما لا يمكن إنكار ما تحقق من خطوات قانونية ومؤسساتية.
وتؤكد الزويني أن تشريع قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 يُعد من أبرز التشريعات التي أقرها العراق لإنصاف الضحايا، لما يتضمنه من حقوق تتعلق بالتعويض والرعاية الصحية والنفسية والتعليم والتمكين الاقتصادي، فضلاً عن إنشاء المديرية العامة لشؤون الناجيات في نينوى.
لكنها تشير إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق، إذ ما تزال كثير من الحقوق حبراً على ورق، ولم تنعكس بصورة فعلية على حياة النساء اللواتي خرجن من الأسر.
وتضيف أن الإبادة الجماعية خلّفت آثاراً لا يمكن لأي قانون أن يمحوها، فالتحرر من داعش لم يكن نهاية المأساة، بل بداية رحلة طويلة مع الصدمات النفسية والعزلة الاجتماعية والفقر وفقدان أفراد الأسرة.
الناجيات… حرب لا تنتهي بعد التحرير
تؤكد الزويني أن آلاف الناجيات ما زلن بحاجة إلى برامج علاج نفسي وتأهيل اجتماعي طويلة الأمد، لأن الصدمة التي تعرضن لها لا تُعالج بمبادرات مؤقتة أو مساعدات موسمية.
وترى أن غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي، إلى جانب ضعف التخصيصات المالية، أدى إلى تعثر تنفيذ الكثير من برامج الدعم، إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً لاستمرار التأخير في تنفيذ حقوق الضحايا.
فالعدالة، حسب الزويني، لا تعني إنقاذ النساء من الأسر فقط، بل مساعدتهن على استعادة حياتهن وكرامتهن واندماجهن الكامل داخل المجتمع.
الجناة خارج قفص الاتهام… والضحايا ينتظرون
واحدة من أكثر الثغرات إيلاماً، بحسب الزويني، تتمثل في ملف المحاسبة.
وتوضح أن العراق لا يمتلك حتى الآن منظومة تشريعية متكاملة لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي أدى إلى بطء إجراءات المساءلة، رغم مرور سنوات على هزيمة تنظيم داعش.
وتشير إلى أن قرار مجلس الأمن رقم 2379 وتشكيل الفريق الأممي لجمع الأدلة الخاصة بجرائم داعش شكلا خطوة مهمة، إلا أن انتهاء مهمة الفريق عام 2024 لم ينعكس حتى الآن على حجم المحاكمات بالشكل الذي يحقق العدالة ويبعث الطمأنينة لدى الضحايا.
وتشدد على أن توثيق الجرائم وحده لا يكفي، لأن العدالة الحقيقية تبدأ عندما يقف الجناة أمام القضاء.
ملف يُستدعى في الذكرى… ثم يُنسى
وتنتقد الزويني التعامل الموسمي مع قضية الإبادة الجماعية، إذ تعود القضية إلى الواجهة مع حلول ذكرى الثالث من آب، ثم تتراجع مجدداً عن أولويات المؤسسات.
وترى أن إحياء الذكرى يجب أن يتحول إلى سياسات حكومية مستمرة، تشمل البحث عن المفقودات، وتأهيل الناجيات، وملاحقة الجناة، وضمان الحقوق بصورة دائمة، بدلاً من الاكتفاء بالخطب وبيانات الإدانة.
وأكدت أن استمرار وجود نازحات في المخيمات، إلى جانب استمرار معاناة العائلات التي ما تزال تبحث عن بناتها، يثبت أن آثار الإبادة لم تنتهِ، وأن العدالة ما تزال ناقصة، مهما تعددت القوانين أو المبادرات.
وشددت على أن مسؤولية إنصاف الناجيات لا تقع على عاتق الحكومة العراقية وحدها، بل تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، لأن عدداً من مرتكبي الجرائم فروا إلى خارج البلاد، وهو ما يستوجب دوراً أكثر فاعلية من وزارة الخارجية، والأجهزة الأمنية، والإنتربول، والجهات القضائية الدولية، لملاحقة المتورطين أينما وجدوا.
أطفال داعش… الضحايا الذين لا يعترف بهم القانون
تلفت الأعسم إلى أن قانون الناجيات الإيزيديات ما يزال يواجه نقصاً واضحاً فيما يتعلق بالأطفال المولودين خلال فترة أسر أمهاتهم لدى تنظيم داعش.
وأضافت أن هؤلاء الأطفال كبروا اليوم، لكن كثيرين منهم ما زالوا يواجهون مشكلات تتعلق بالاعتراف القانوني وإصدار الوثائق الرسمية، الأمر الذي يحرمهم من حقوق أساسية ويصعّب عملية اندماجهم في المجتمع.
وشددت على أن هؤلاء الأطفال ضحايا مثل أمهاتهم، ولا يجوز أن يبقوا خارج مظلة الحماية القانونية أو أن يتحملوا تبعات جرائم لم يرتكبوها، مؤكدة أن الاعتراف بهم ومنحهم حقوقهم الكاملة يمثل استحقاقاً إنسانياً وقانونياً لا يحتمل المزيد من التأجيل.
شنكال… مدينة تنتظر العودة
لا تنفصل قضية النساء عن واقع شنكال نفسها، فبحسب الأعسم، ما تزال المدينة تعاني من بطء إعادة الإعمار، واستمرار الخلافات السياسية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، فضلاً عن تعدد الجهات الأمنية، وهي عوامل أخرت عودة آلاف العائلات.
وتؤكد أن العودة الحقيقية لا تتحقق بمجرد فتح الطرق، بل بتوفير الأمن والخدمات وفرص العمل والتعليم والرعاية الصحية، لأن الخوف من تكرار المأساة ما يزال يدفع كثيراً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

