شفقنا العراق- الأنبار تواجه عودة الداتورا في معركة بيئية مستمرة، بعدما أثبت النبات الدخيل قدرته على الظهور مجدداً بفضل بذوره طويلة البقاء، فيما يؤكد المختصون أن نجاح المكافحة يتطلب سرعة اكتشافه، وتعاون الأهالي، واستمرار حملات التوعية والرصد الميداني.
عاد نبات الداتورا، المعروف محلياً باسم “تفاح الشيطان”، لينتشر في محافظة الأنبار غربي العراق، مثيراً مخاوف الجهات الزراعية والبيئية لما يمثله من تهديد مباشر على الإنسان والحيوان والبيئة.
وشهد نبات الداتورا حملات إزالة متكرّرة في المحافظة الحدودية مع السعودية والأردن وسورية، غير أنه يعاود الظهور بين فترة وأخرى بسبب بقاء بذوره كامنة في التربة، ما يجعل مكافحته عملية مستمرة وليست نهائية.
ورغم أنّ هذا النبات يبدو للوهلة الأولى جذاباً بفضل أزهاره القمعية التي تتفتح غالباً مع ساعات المساء، فإن مظهره يخفي خطراً بالغاً، إذ يحتوي على مركبات كيميائية شديدة السمية تؤثر في الجهاز العصبي، وقد تقود إلى حالات تسمم خطيرة أو الوفاة عند تناوله أو التعامل معه بصورة غير آمنة، فضلاً عن أن قدرته الكبيرة على إنتاج البذور تمنحه فرصة للانتشار مجدداً حتى بعد التخلّص منه.
ويقول الخبير الزراعي شاكر الدليمي، إنّ نبات الداتورا أو “تفاح الشيطان” يُعد من النباتات الدخيلة على البيئة المحلية في الأنبار، مشيراً إلى أن ظهوره سُجل منذ نحو عشرين عاماً، من دون وجود معلومات دقيقة تحدد الكيفية التي وصلت بها بذوره إلى المنطقة، وأن التقديرات تتحدث عن احتمال انتقال بذوره على نحوٍ لا إرادي، مثل السيول أو غيرها. وأوضح أن مديريات الزراعة في المحافظات العراقية تتبادل المعلومات بصورة مستمرة مع وزارة الزراعة بشأن مواقع انتشار النبات وطرق مكافحته،
لافتاً إلى أن الفرق الزراعية تنفذ حملات مسح دورية لرصد أي بؤر جديدة، مع التنسيق المباشر مع دوائر البلديات والقوات الأمنية لإزالة النباتات والتخلص منها بالحرق وفق الضوابط البيئية، لمنع انتقال بذورها إلى مناطق أخرى.
ولا يقف خطر “تفاح الشيطان” عند حدود انتشاره في الأراضي الزراعية، بل يمتد ليشكل تهديداً صحياً وبيئياً واسعاً، الأمر الذي يدفع المختصين إلى التحذير من خطورته على الإنسان والحيوان معاً.
مركبات التروبان القلوية
ويقول الخبير البيئي أحمد حسن، إن الداتورا من أخطر النباتات البرية بسبب احتوائه على مركبات التروبان القلوية، وهي مواد تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي المركزي، وقد تسبب اضطرابات حادة في الوعي والهلوسة والهذيان وفقدان الإدراك، وقد تصل في بعض الحالات إلى التسمم الشديد أو الوفاة عند تناول أجزاء من النبات.
وبيّن أنّ الخطورة لا تقتصر على الإنسان، إذ إنّ الحيوانات التي ترعى في الأراضي المفتوحة قد تتناول أجزاء من النبات من دون تمييز، ما يعرّضها لحالات تسمم قد تؤدي إلى نفوقها أو تراجع إنتاجيتها، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الثروة الحيوانية والاقتصاد الزراعي في المناطق الريفية.
وفي القرى والأرياف، حيث يجاور السكان الأراضي الزراعية يومياً، تبدو خبرة المزارعين عاملاً مهماً في اكتشاف النباتات الدخيلة والتمييز بينها وبين النباتات الأخرى. ويقول المزارع محمود الجاسم إنّ أبناء الأنبار يمتلكون خبرة طويلة في الزراعة، ولذلك يستطيع معظمهم التفريق بين النباتات النافعة والضارة بمجرد رؤيتها، موضحاً أن غالبية سكان المحافظة ينحدرون من أسر فلاحية، الأمر الذي جعل المعرفة بالنباتات تنتقل بين الأجيال.
ويضيف أنّ المزارعين اعتادوا مراقبة أراضيهم بصورة مستمرة، وعند العثور على نبات الداتورا “تفاح الشيطان” فإنهم يتجنّبون لمسه مباشرة، ويبلغون الجهات الزراعية لتتولى إزالته بالطريقة الصحيحة، مؤكداً أن التعامل الفردي معه قد يؤدي إلى انتشار بذوره أو تعريض الأشخاص للخطر. ويؤكد أن تعاون الأهالي مع مديريات الزراعة أسهم في احتواء كثير من بؤر انتشار النبات خلال السنوات الماضية، مشدداً على أن استمرار حملات التوعية والمسح الميداني سيبقى ضرورة ملحة لمنع عودته إلى الأراضي الزراعية.

