شفقنا العراق-محاكمات العائدات من تنظيم داعش في أستراليا تثير جدلاً قانونياً وإنسانياً واسعاً بعد إعلان السلطات الأسترالية اعتقال عدد من النساء العائدات واتهامهن بالانتماء إلى تنظيم إرهابي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بينها الاستعباد بحق نساء إيزيديات.
كشفت صحيفة سيدني مورنينغ هيرالد الأسترالية عن اعتقال السلطات الأسترالية نساء أستراليات من زوجات تنظيم داعش عند عودتهن إلى البلاد، مع توجيه المحكمة لهن تهماً بالانتماء إلى تنظيم إرهابي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية واستعباد بحق إيزيديات، وصفها خبراء قانون بأنها أول محاكمة تشهدها أستراليا من هذا النوع، في وقت أعربت فيه الحكومة الأسترالية عن موقف حازم من رعاياها الذين انتموا إلى تنظيم داعش، موضحةً أنه لا يوجد أي تعاطف أو تسامح معهم.
وعبّر أفراد من الجالية الإيزيدية المحلية المقيمين في أستراليا، الذين فرّوا من الاضطهاد في الشرق الأوسط، عن صدمة نفسية جديدة بسبب وصول علني لافت لأربع نساء يُعتقد أنهن “زوجات” لمسلحي داعش. ودعا قادة المجتمع السلطات إلى محاسبة أي شخص قام باستعباد أو إساءة معاملة أفراد من هذه الأقلية الدينية.
ويُقدَّر أن نحو 20 امرأة وطفلاً مرتبطين بتنظيم داعش لا يزالون عالقين في مخيم شمال سوريا، وقد يسعون للعودة إلى أستراليا خلال الأسابيع المقبلة، بعد وصول مجموعة مكوّنة من 13 شخصاً ليلة الخميس.
وقد تم احتجاز ثلاث نساء بسرعة، ووُجهت إليهن تهم تتراوح بين الاستعباد والانتماء إلى منظمة إرهابية.
وظهرت امرأة تُدعى زهراء أحمد، يُعتقد أنها من زوجات مسلحي تنظيم داعش، أثناء مرورها في صالة الوصول في مطار ملبورن، محاطةً ببعض أنصارها من الرجال، بينما كان عدد من الصحفيين يلاحقونها.
ويشير التقرير إلى أن الجرائم المرتبطة بممارسات وأفعال ضد الإنسانية التي وُجهت إلى اثنتين من العائدات هي الأولى من نوعها في أستراليا.
موقف الحكومة الأسترالية من داعش
ومع مثول النساء أمام المحكمة في سيدني وملبورن يوم الجمعة، قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي إنه “لا تعاطف على الإطلاق” مع أي أسترالي سافر للانضمام إلى صفوف تنظيم داعش الإرهابي، في الوقت الذي رحّب فيه بالإجراءات القانونية.
وقال مساعد مفوض الشرطة الفيدرالية الأسترالية ستيفن نت إن التحقيقات لا تزال جارية، معلناً توجيه تهم إلى شقيقة زهراء الصغرى زينب أحمد ووالدتها كوثر أحمد، بالإضافة إلى الطالبة السابقة في العلوم الصحية جاناي صفار، يوم الخميس ليلاً.
وأضاف: “لا يزال هذا تحقيقاً مفتوحاً في ادعاءات خطيرة للغاية”.
وتم رفض الإفراج بكفالة عن صفار في سيدني يوم الجمعة بعد اتهامها بدخول منطقة محظورة والانضمام إلى تنظيم إرهابي.
ومن المقرر أن تطلب المتهمتان في ملبورن الإفراج عنهما في جلسة كفالة يوم الاثنين.
ووُجهت تهم إلى كوثر عباس، المعروفة في وثائق المحكمة باسم كوثر أحمد، وابنتها زينب أحمد بجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استعباد امرأة إيزيدية.
وقال سامي شيبو، أحد قادة المجتمع الإيزيدي الذي فرّ من العراق إلى أستراليا عام 2018: “لا يزال المجتمع الإيزيدي يحمل ألم الإبادة والتهجير وفقدان آلاف الأبرياء”.
وأضاف: “بالنسبة إلى العديد من الناجين، خصوصاً النساء اللواتي تعرضن للأسر والاستعباد على يد داعش، فإن هذه التطورات تعيد إليهن ذكريات مؤلمة للغاية وجروحاً نفسية عميقة”.
وقد قُتل آلاف الرجال الإيزيديين، بينما تم اختطاف النساء والفتيات واستعبادهن وتعرضهن لاعتداءات مروعة بعد سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق عام 2014، وهي أحداث اعتبرتها لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إبادة جماعية.
وقال شيبو إن المجتمع يطالب السلطات بالتحقيق الكامل مع أي أسترالي يُتهم بدعم الإرهاب أو المشاركة في جرائم ضد الإنسانية.
وأضاف: “نحن نحترم النظام القانوني الأسترالي وقيمه الديمقراطية. وفي الوقت نفسه، يستحق الناجون العدالة والحماية والاطمئنان إلى أن معاناتهم تؤخذ على محمل الجد”.
وقال قائد إيزيدي آخر إن أفراد المجتمع يعيشون في خوف من مواجهة أحد جلاديهم السابقين وهو يتجول بحرية في الشارع.
وقد استقر آلاف الإيزيديين الذين هاجروا من العراق في مدينة توومبا بولاية كوينزلاند خلال السنوات الأخيرة، كما استقر آخرون في كوفس هاربور على الساحل الشمالي لولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا.
سيادة القانون
وقال رئيس الوزراء الأسترالي ألبانيزي للصحفيين في ملبورن يوم الجمعة: “أحد الأمور التي تميز مجتمعنا عن همجية داعش الخارجة على القانون هو أننا نؤمن بسيادة القانون”.
وأضاف: “من الصحيح أن الحكومة الأمريكية وغيرها حثّتنا على القيام بذلك، لكننا اخترنا اتخاذ قراراتنا كدولة ذات سيادة وعدم تقديم أي دعم لهم، لأنني لا أشعر بأي تعاطف مع هؤلاء الأشخاص. لكن لديّ تعاطف مع الأطفال، الذين هم ضحايا قرارات آبائهم”.
وأكد ألبانيزي أهمية تقديم الدعم للأطفال نظراً للظروف القاسية التي عاشوها في المخيمات السورية وتعرضهم لـ”أيديولوجيا مروعة تسعى لتدمير نمط حياتنا”.
ووصف خبير القانون الدولي في جامعة سيدني بن سول التهم الموجهة إلى النساء في ملبورن بأنها “غير مسبوقة”، قائلاً: “خلال الـ75 عاماً الماضية، لم تنجح أستراليا في ملاحقة أي جرائم دولية. وهذه هي أول تهم بجرائم ضد الإنسانية في تاريخ أستراليا”.
وأضاف أنه بالإضافة إلى التهم المتعلقة بالاستعباد، يجب على الادعاء إثبات أنها وقعت ضمن سياق أوسع من الاضطهاد المنهجي لفئة معينة من السكان.
وقال: “إذا ثبتت هذه التهم، فسيكون ذلك رسالة عن التزام أستراليا بالقانون الدولي”.

