شفقنا العراق-بين ضغوط داخلية وخارجية وتعقيدات ترتبط بنفوذ الفصائل المسلحة، تحاول الحكومة العراقية الانتقال من إدارة العلاقة مع الجماعات المسلحة إلى فرض احتكار الدولة للقرار العسكري، من دون دفع البلاد نحو صدام داخلي.
كشف مصدر أمني عراقي أن الحكومة العراقية تتجه إلى حصر السلاح خارج المؤسسات الأمنية الرسمية، في خطوة تستهدف إنهاء أي مظهر لوجود قيادة عسكرية موازية للدولة، مع التأكيد أن هيئة الحشد الشعبي، وفق القانون العراقي، جزء من القوات المسلحة وتخضع منتسبيها للقوانين العسكرية النافذة.
وأوضح المصدر أن الجهات المشمولة بإجراءات حصر السلاح هي التشكيلات التي تقع خارج إطار المؤسسات الأمنية الرسمية في بغداد، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في ضمان عدم وجود قيادة موازية أو جهة أخرى تستخدم السلاح بصورة مستقلة عن الدولة.
السلاح أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية
يأتي هذا التحرك في وقت يمثل فيه ملف السلاح واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في العراق، إذ يتقاطع الهيكل الأمني الداخلي مع التوازنات السياسية والتقاطعات الإقليمية والدولية، فيما تحاول بغداد الانتقال من مرحلة إدارة العلاقة مع الفصائل المسلحة إلى فرض قواعد أكثر وضوحًا بشأن احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري.
وأشار المصدر الأمني العراقي إلى أن الأجهزة الأمنية تمكنت في بعض المناطق من ضبط متهمين بتصنيع طائرات مسيّرة محلية، لافتًا إلى استمرار الإجراءات الأمنية في بغداد وعدد من المحافظات ضمن جهود تعزيز الأمن والاستقرار ومنع أي نشاط عسكري خارج الأطر الرسمية.
وتؤكد هذه الإجراءات أن الحكومة العراقية لا تتعامل مع ملف السلاح باعتباره قضية سياسية منفصلة، وإنما باعتباره جزءًا من إعادة تنظيم المنظومة الأمنية ومنع تعدد مراكز القرار العسكري، خصوصًا في ظل وجود فصائل تمتلك أذرعًا سياسية وبرلمانية وقواعد تنظيمية واسعة.
الفصائل الأكثر نفوذًا
في السياق، تقول خبيرة الشؤون الاستراتيجية، الدكتورة نهال الشافعي، إن الفصائل الأكثر نفوذًا تمتلك امتدادات سياسية وبرلمانية وازنة تمكنها من تعطيل أي قرارات تمس جوهر قوتها العسكرية بصورة جذرية.
وتوضح الشافعي، أن معضلة المواجهة المباشرة تعد أبرز التحديات التي تواجه بغداد، مشيرة إلى أن القيادة العراقية أعلنت مرارًا تفضيلها منهج الحوار والتفاهم التدريجي، في ظل عدم وجود نية للدخول في مواجهة عسكرية داخلية قد تفتح بابًا للفتنة وتستنزف الاستقرار الهش في البلاد.
وتؤكد الشافعي أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والإقليميين يتابعون ملف حصر السلاح باهتمام بالغ، في ظل ارتباط أي شراكات أمنية ودعم طويل الأمد بقدرة بغداد على الحد من ظاهرة الجماعات المسلحة التي تعمل خارج إطار المؤسسات الرسمية.
تطويق المظاهر المسلحة
بدوره، يقول الباحث في الشؤون العربية، محمد بركات، إن ما تشهده بغداد اليوم لا يمثل تفكيكًا جذريًا لنفوذ الفصائل المسلحة بالمعنى العسكري البحت، بقدر ما يمثل عملية إعادة هندسة قسرية لطبيعة العلاقة بين الدولة واللا دولة.
ويضيف بركات أن الحكومة العراقية تسعى إلى تطويق المظاهر المسلحة العلنية، وتقليص هامش الحركة العشوائية، ودمج الهياكل الممكنة ضمن الأطر الرسمية، غير أن النجاح النهائي يظل رهنًا بمدى قدرة الدولة على بناء مظلة أمنية واقتصادية وسياسية قادرة على استيعاب عناصر هذه الفصائل، وإقناعها بأن بقاء الدولة وقوتها يمثل الضمانة الأساسية للجميع.
ويظل الاختبار الحقيقي أمام بغداد مرتبطًا بقدرتها على الانتقال من القرارات والإجراءات الأمنية إلى تنفيذ فعلي ومستدام يضمن أن يكون السلاح والقرار العسكري تحت قيادة واحدة، دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية تهدد الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

