شفقنا العراق-تواجه بغداد ضغوطا متزايدة مع اتساع نطاق العقوبات الأميركية على إيران، في ظل ارتباط قطاعات عراقية بالطاقة والتجارة الإيرانية، بينما يمثل الغاز الإيراني أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للعراق، نظرا لصعوبة تعويضه ببدائل سريعة.
يجد العراق نفسه في موقف صعب في ظل حملة العقوبات العالمية التي أعلنها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، والرامية إلى تجفيف جميع مصادر الإيرادات الخارجية لإيران، وتحذيره من أن الدول التي تسهّل أي تعاملات مع طهران ستصبح عرضة لهذه العقوبات.
فالعراق، جار إيران، يعتمد على إمداداتها من الغاز والكهرباء، فيما تحوم شكوك حول ضلوع جزء من قطاعيه المالي والتجاري في تسهيل الالتفاف على العقوبات التجارية الأميركية المفروضة سابقاً، بما في ذلك عبر شبكات لتهريب البضائع والعملات الصعبة إلى الأراضي الإيرانية.
ويَعتبر محمود داغر، الخبير الاقتصادي والمدير العام السابق في البنك المركزي العراقي، أن العراق تصدّر قائمة الدول الإقليمية المعنية بحملة العقوبات الأميركية، بعدما علّقت الإمارات، ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، تعاملاتها التجارية والمالية مع طهران الأسبوع الماضي.
كما يشير إلى “الارتباط بين قوى سياسية عراقية والقوى المسيطرة في إيران، فضلاً عن حجم التجارة التي لا تخضع دائماً لسيطرة المنافذ الرسمية، والتي يصعب السيطرة عليها”، في ظل امتداد الحدود بين البلدين لنحو 1600 كيلومتر، واستخدامها للالتفاف على العقوبات التي تحول دون إجراء تحويلات مصرفية تخضع لرقابة أميركية مشددة.
أدوات الرقابة و الضغط
تمتلك الإدارة الأميركية أدوات للرقابة والضغط على النظام المصرفي العراقي، بموجب ترتيبات تعود إلى فترة الاحتلال، وتقضي بمرور إيرادات النفط العراقية عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وسبق أن استخدمت واشنطن أدوات الضغط هذه في أبريل الماضي، بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، حين حجبت 500 مليون دولار من إيرادات الحكومة العراقية، وأوقفت شحنات الدولار النقدي إلى بغداد. واستؤنفت الشحنات لاحقاً عقب لقاء في البيت الأبيض في يوليو، إثر تعهد بفرض رقابة مالية مشددة لمنع المصارف العراقية من تمرير الدولارات إلى إيران.
ويرى داغر أن العقوبات المصرفية هي الأكثر إحكاماً؛ “إذ بات القطاع المصرفي خاضعاً لرقابة شديدة وبرنامج إصلاح”.
أهمية الغاز الإيراني
على صعيد الطاقة، تقدّر وزارة الخارجية الأميركية حصة الكهرباء المستوردة من إيران بنحو 4% فقط من إجمالي استهلاك العراق في عام 2023. أما الغاز، فالوضع مختلف، إذ توفر الكميات المنصوص عليها في العقد الموقّع بين البلدين عام 2024، ولمدة خمس سنوات، نحو 40% من قدرة العراق على توليد الكهرباء، بكلفة سنوية تتجاوز 4 مليارات دولار. ويسدد العراق هذه الكلفة عبر شحنات من النفط وزيت الوقود بدلاً من الدفع نقداً، التزاماً بالعقوبات.
وأنهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مارس 2025 الإعفاء الذي كان يتيح للعراق شراء الكهرباء من إيران، مع إبقاء إعفاء الغاز سارياً، في اعتراف ضمني بصعوبة استغناء بغداد عن هذا الوقود. وبحسب مسؤولين عراقيين، لا يزال الغاز الإيراني يتدفق إلى العراق في ظل غياب بدائل سريعة، فيما تواصل البلاد حرق جزء كبير من الغاز المصاحب للنفط المستخرج من حقولها.
غير أن صعوبة تسوية المعاملات أدت إلى تراكم متأخرات قدّرها محافظ المصرف المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، بما يتراوح بين 10 مليارات و11 مليار دولار.
ويرى فرات الموسوي، رئيس مركز العراق للطاقة، إن “فقدان الغاز الإيراني يعني تعطيل أصول كهربائية ضخمة أنفقت الدولة عليها مليارات الدولارات”، ما يمنح إيران أوراق ضغط على العراق، ويجعل الالتزام الصارم بالعقوبات الأميركية أكثر صعوبة.
ويلخّص فرانسيس بيران، الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، الوضع بقوله إن الحكومة العراقية “تجد نفسها بين المطرقة والسندان”.

