شفقنا العراق- بين وعود تبسيط التعاملات وتحذيرات من ارتفاع الأسعار، يعود مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي إلى الواجهة. فالخطوة التي تبدو حسابية في ظاهرها قد تتحول إلى اختبار حقيقي للسوق، خصوصاً إذا استغل بعض التجار مرحلة الانتقال لرفع الأسعار أو تقريبها إلى الأعلى.
عاد ملف حذف الأصفار من العملة العراقية إلى الواجهة، وسط نقاش اقتصادي بشأن الجدوى من هذه الخطوة وانعكاساتها على قيمة الدينار والقوة الشرائية للمواطن، فضلاً عن مدى جاهزية القطاعين المصرفي والمالي لتنفيذها.
ويرى خبراء اقتصاديون أن حذف الأصفار، في حال تنفيذه ضمن دراسة متكاملة وخطة واضحة، يمكن أن يسهم في إعادة هيكلة العملة وتبسيط التعاملات المالية والمصرفية، مؤكدين في الوقت نفسه أن الإجراء بحد ذاته لا يعني ارتفاع القوة الشرائية للدينار أو انخفاضها، ما دامت الأسعار والرواتب والمدخرات تتحول بالنسبة نفسها.
تعزيز قيمة الدينار
وقال الخبير الاقتصادي حيدر الشيخ: إن «تغيير العملة العراقية وحذف الأصفار يعزز قيمة الدينار العراقي أمام العملات الأجنبية»، مبيناً أن «تغيير العملة سيسهم في إنعاش الاقتصاد وتوفير السيولة النقدية لدى الحكومة».
وأوضح الشيخ أن عملية تغيير العملة، وفق الدراسة، تحتاج إلى أشهر عدة لطباعة فئات محددة وعلى شكل وجبات، تمهيداً لاستبدالها بالعملة الحالية، مشيراً إلى أن هذه العملية يمكن أن تسهم في تعزيز أرصدة المصارف الحكومية والأهلية بالدينار العراقي وتوفير السيولة النقدية اللازمة.
وأضاف أن من فوائد العملية أيضاً “معرفة كمية العملة الموجودة لدى الحكومة والمصارف، فضلاً عن معرفة حجم العملة المتداولة في السوق”.
وأشار الشيخ إلى أن العراق، بعد عام 2003، طبع أكثر من 100 تريليون دينار، مبيناً أن نحو 70 بالمئة من حجم الأموال النقدية المطبوعة موجود خارج سيطرة الحكومة، ومخزَّن في المنازل ومتداول في السوق.
إعادة تسمية الوحدة النقدية
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي مصطفى فرج: إن «حذف الأصفار من العملة العراقية، في حال تطبيقه وفق دراسة وخطة متكاملة، يمثل خطوة إيجابية لإعادة هيكلة العملة وتبسيط التعاملات المالية والمصرفية»، مؤكداً أن «العملية لا تعني بحد ذاتها زيادة أو انخفاض القوة الشرائية للدينار».
وأوضح فرج أن حذف ثلاثة أصفار، على سبيل المثال، يعني تحويل الأسعار والرواتب والأرصدة بالنسبة نفسها، وبالتالي فإن القوة الشرائية للمواطن لا تتغير نتيجة الحذف وحده.
وأضاف أن الفائدة الاقتصادية الأساسية تتمثل في «تقليل حجم الأرقام المتداولة، وتسهيل العمليات المحاسبية والمصرفية، ودعم أنظمة الدفع الإلكتروني، وجعل التعامل بالدينار أكثر كفاءة ووضوحاً»، مشدداً على أن نجاح الخطوة يرتبط بوجود استقرار نقدي ورقابة على الأسعار وتوعية واسعة للمواطنين.
وبيّن أن حذف الأصفار يمكن أن يكون جزءاً من «حزمة إصلاح نقدي ومصرفي أوسع تعزز الثقة بالدينار وتدعم الاستقرار الاقتصادي»، وليس إجراءً شكلياً منفرداً.
مخاطر مرحلة التحويل
في المقابل، حذر الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد من أن أبرز المخاطر التي قد ترافق حذف الأصفار لا تتعلق بعملية الحذف المحاسبي نفسها، وإنما بمرحلة التحويل وما قد يرافقها من ارتباك في الأسواق واستغلال من بعض التجار، ولا سيما في عمليات تقريب الأسعار إلى الأعلى.
وأوضح أن السلع ذات الأسعار الصغيرة قد تكون الأكثر عرضة للزيادة عند تحويلها إلى الوحدة النقدية الجديدة، ما قد يؤدي، في حال تكرار ذلك على نطاق واسع، إلى شعور المواطن بارتفاع فعلي في كلفة المعيشة، رغم أن عملية حذف الأصفار يفترض نظرياً ألا تغير القوة الشرائية.
وأشار عيد إلى مخاطر أخرى تتمثل في ضعف الثقافة المالية لدى بعض المواطنين، ولا سيما في ما يتعلق بتحويل المدخرات النقدية وتسعير السلع والخدمات والعقود والديون، فضلاً عن إمكانية انتشار المضاربات والشائعات بشأن قيمة الدينار.
وأكد أن هذه المخاطر تصبح أكبر في حال تنفيذ العملية خلال ظرف اقتصادي يعاني ضغوطاً مالية ومشكلات تتعلق بالسيولة والثقة.
تسعير مزدوج ورقابة
ولحماية القوة الشرائية للمواطن، دعا عيد إلى اعتماد فترة انتقالية كافية تسبق وترافق عملية التغيير، يجري خلالها اعتماد التسعير المزدوج بالدينار القديم والجديد، ووضع قواعد دقيقة تمنع التقريب العشوائي للأسعار، إلى جانب تشديد الرقابة على الأسواق وتنفيذ حملة توعية واسعة.
وشدد على ضرورة أن يضمن البنك المركزي تحويل جميع الحسابات المصرفية والمدخرات والديون والرواتب والعقود بالنسبة نفسها، مع توفير العملة الجديدة بصورة منظمة، والإبقاء على فترة تداول متزامن للعملتين.
وأكد أن «الأهم أن يسبق حذف الأصفار استقرار مالي ونقدي حقيقي»، مبيناً أن حماية القوة الشرائية لا تتحقق بتغيير شكل العملة، وإنما بالسيطرة على التضخم واستقرار سعر الصرف ومعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية.

