شفقنا العراق- كلمات الإمام الحسن العسكري (ع) ترسم للإنسان منهجًا متكاملًا في التعامل مع الانتظار، وتأخر الحاجات، وتقلب الظروف، وضيق الأبواب. فهي لا تدعو إلى ترك السعي، ولا إلى الاستسلام للواقع، وإنما تعلّم الإنسان أن يسعى من غير أن يتحول سعيه إلى قلق، وأن يطلب من غير أن يتحول طلبه إلى استنزاف للنفس والكرامة والطمأنينة.
«اِدْفَعِ الْمَسْأَلَةَ مَا وَجَدْتَ التَّحَمُّلَ يُمْكِنُكَ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ خَيْرًا جَدِيدًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِلْحَاحَ فِي الْمَطَالِبِ يَسْلُبُ الْبَهَاءَ وَيُورِثُ التَّعَبَ وَالْعَنَاءَ، فَاصْبِرْ حَتَّى يَفْتَحَ اللهُ لَكَ بَابًا يَسْهُلُ الدُّخُولُ فِيهِ… فَلَا تَعْجَلْ عَلَى ثَمَرَةٍ لَمْ تُدْرِكْ، فَإِنَّمَا تَنَالُهَا فِي أَوَانِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُدَبِّرَ لَكَ أَعْلَمُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَصْلُحُ حَالُكَ فِيهِ، فَثِقْ بِخِيَرَتِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ يَصْلُحْ حَالُكَ، فَلَا تَعْجَلْ بِحَوَائِجِكَ قَبْلَ وَقْتِهَا فَيَضِيقَ قَلْبُكَ وَصَدْرُكَ وَيَغْشَاكَ الْقُنُوطُ». [1]
هذه الكلمات ترسم للإنسان منهجًا متكاملًا في التعامل مع الانتظار، وتأخر الحاجات، وتقلب الظروف، وضيق الأبواب. فهي لا تدعو إلى ترك السعي، ولا إلى الاستسلام للواقع، وإنما تعلّم الإنسان أن يسعى من غير أن يتحول سعيه إلى قلق، وأن يطلب من غير أن يتحول طلبه إلى استنزاف للنفس والكرامة والطمأنينة.
لكل يوم خيرٌ جديد:
من أجمل ما في هذه الوصية قول الإمام : «فإن لكل يوم خيرًا جديدًا».
فالإنسان عندما تضيق به الظروف قد يتصور أن ما يراه اليوم هو الصورة النهائية لحياته، وأن الباب المغلق سيظل مغلقًا، وأن الفرصة التي فاتته لن يعوضها شيء، ولكن الغيب أوسع مما نراه.
كم من أمرٍ أقلقنا اليوم ثم جاء الغد بما جعلنا نحمد الله على تأخره، وكم من باب طرقناه طويلًا ولم يُفتح، ثم فتح الله لنا بابًا آخر كان أوسع وأجمل وأكثر خيرًا.
ولذلك فالمؤمن لا يجعل يومه العسير حكمًا على مستقبله؛ لأنه يعلم أن لله في كل يوم تدبيرًا، وفي كل مرحلة أبوابًا لم تظهر بعد.
لا تعجل على ثمرة لم تُدرك:
إنها صورة بليغة للغاية: «فلا تعجل على ثمرةٍ لم تُدرك، فإنما تنالها في أوانها».
الثمرة إذا قُطفت قبل نضجها لم تمنح الإنسان حلاوتها، وكذلك بعض الأمنيات.
قد يكون الشيء خيرًا لنا، ولكن ليس الآن، وقد تكون الوظيفة مناسبة، ولكن بعد مدة، وقد يكون الزواج خيرًا، ولكن بعد اكتمال ظروفه، وقد يكون النجاح آتيًا، ولكن بعد تجربة تنضج الإنسان وتؤهله له، وقد تكون الحاجة مكتوبة، ولكن لها ساعة يعلمها الله ولا نعلمها نحن.
فنحن نعرف ما نريد، ولكن الله سبحانه يعلم متى يكون ما نريد خيرًا لنا.
ثق بخيرة الله:
ويبلغ الكلام ذروة الطمأنينة في قوله : «واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك يصلح حالك».
وهنا ينتقل الإنسان من مجرد الصبر إلى مرتبة أعمق: الثقة بالله.
ليس كل تأخير حرمانًا، وليس كل منع عقوبة، وليس كل باب مغلق نهاية الطريق.
قد يكون التأخير حماية، وقد يكون المنع لطفًا، وقد تكون العثرة إعادة توجيه، وقد يكون انتظارنا الطويل إعدادًا لما هو أكبر مما طلبناه.
نحن ننظر إلى اللحظة، والله يعلم امتداد الطريق كله.
حين يتحول الطلب إلى إنهاك:
يحذر الإمام من الإلحاح الذي يستهلك النفس: «إن الإلحاح في المطالب يسلب البهاء ويورث التعب والعناء».
وهذه قاعدة نفسية واجتماعية دقيقة. فحين يربط الإنسان سعادته بحاجة واحدة، ويظل يلاحقها في كل اتجاه، قد يفقد بسببها راحته واتزانه، وربما شيئًا من كرامته.
أما المؤمن فيبذل السبب، ويطرق الباب، ويدعو الله، ثم يعرف متى ينتظر.
فالفرق كبير بين الإصرار الواعي والاستنزاف، وبين السعي المشروع وبين أن يصبح الإنسان أسيرًا لمطلب واحد.
اصبر حتى يفتح الله الباب:
يقول الإمام : «فاصبر حتى يفتح الله لك بابًا يسهل الدخول فيه».
وهذه من أجمل صور الفرج. فبعض الأبواب نحاول فتحها بقوة فلا تنفتح، ثم يأتي الوقت الذي يريده الله فتنفتح بأيسر الأسباب.
وهنا يتعلم الإنسان ألا يقيس قرب الفرج بمقدار تعقّد الظروف؛ فقد تكون الأسباب كلها مغلقة، ثم يحدث أمر صغير يغير المشهد كله.
فليس كل باب عسير مطلوبًا منك أن تكسره؛ بعض الأبواب تحتاج فقط أن تنتظر وقت فتحها.
لا تجعل تأخر الحاجة يورثك القنوط:
يحذر الإمام من أثر الاستعجال: «فلا تعجل بحوائجك قبل وقتها فيضيق قلبك وصدرك ويغشاك القنوط».
فالاستعجال لا يقدّم الموعد الذي قدّره الله، لكنه قد يسرق منا السكينة أثناء الانتظار.
وهنا تكمن المشكلة: قد لا نخسر الحاجة، ولكننا نخسر شهورًا أو سنوات من أعمارنا في القلق عليها.
ولهذا فإن الثقة بالله ليست فكرة إيمانية مجردة، بل هي حماية للقلب من الانهيار أمام تأخر الأشياء.
حتى النعم لها مقادير:
ثم تنتقل الوصية إلى قاعدة أخرى في التوازن: «واعلم أن للسخاء مقدارًا فإن زاد عليه فهو سرف، وإن للحزم مقدارًا فإن زاد على ذلك فهو تهور».
فليست الفضيلة في مجرد الفعل، بل في وضعه في موضعه وبقدره الصحيح.
السخاء فضيلة، ولكنه إذا تجاوز الحكمة صار إسرافًا، والحزم فضيلة، ولكن تجاوز حدوده قد يحوله إلى اندفاع وتهور.
وهكذا يريد الإمام للإنسان أن يعيش ميزان الحكمة: لا إفراط ولا تفريط، ولا استعجال ولا تهاون.
رسالة لمن تأخرت أمنيته:
لمن طال انتظاره، ولمن أُغلقت أمامه أبواب، ولمن دعا كثيرًا ولم يرَ بعدُ ما يتمنى، تقول هذه الوصية: لا تجعل تأخر الثمرة يدفعك إلى قطفها قبل أوانها، ولا تظن أن صمت الأيام يعني أن الله قد نسي حاجتك.
افعل ما تستطيع، واطلب ما تحتاج، وخذ بالأسباب، ولكن اترك لله اختيار الطريق والوقت والنتيجة. فقد يكون بينك وبين الفرج يوم واحد، أو موقف واحد، أو سبب لم يخطر لك على بال.
وما أجمل أن تصبح هذه العبارة قاعدةً نعيش بها:
«فلا تعجل على ثمرةٍ لم تُدرك، فإنما تنالها في أوانها… واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع أمورك».
إنها تربية على أن نبذل جهدنا، ثم نطمئن؛ وأن ندعو، ثم نثق؛ وأن ننتظر، دون أن نيأس.
فما تأخر عنك ليس بالضرورة قد ضاع، وما مُنع عنك ليس بالضرورة شرًا، وما لم يأتِ اليوم قد يأتي غدًا في الوقت الذي يكون فيه أصلح لقلبك وحياتك ودينك.
الدكتور حجي إبراهيم الزويد/موقع الجهات الإخبارية
[1] نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، الحلواني، ص 147، أعلام الدين في صفات المؤمنين، الحسن بن محمد الديلمي، ص 313، بحار الأنوار، ج 75، العلامة المجلسي، ص 380، مرآة الرشاد، الشيخ عبد الله المامقاني «العلامة الثاني»، ص 64، جامع أحاديث الشيعة، ج 17، السيد البروجردي، ص 20، أخلاق النبي ﷺ وأهل بيته ، الشيخ باقر شريف القرشي، ص 297، مسند الإمام العسكري ، الشيخ عزيز الله عطاردي، ص 250، موسوعة أحاديث أهل البيت ، ج 9، الشيخ هادي النجفي، ص 212

