شفقنا العراق-يحذر خبراء من أن أي تغيير للعملة العراقية من دون إصلاح الموازنة والقطاع المصرفي وتنويع مصادر الإيرادات قد يتحول إلى إجراء مكلف ومربك، مؤكدين أن قوة الدينار ترتبط بقوة الاقتصاد والمؤسسات التي تستند إليها العملة.
يتداول خبراء مال واقتصاد، عددًا من المقترحات الهادفة إلى تعزيز الإصلاح الاقتصادي وتحديث البنية المالية والنقدية للدولة، ولرفع كفاءة الأداء الاقتصادي وتطوير أدوات السياسة النقدية، بضمنها طرح أفكار ومقترحات تتعلق بإعادة هيكلة العملة العراقية، وحذف أصفار من الدينار العراقي، في حين ذهب آخرون إلى طرح مقترح إصدار فئات نقدية جديدة تتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية الحالية والتوسع الملحوظ في حجم الكتلة النقدية المتداولة.
وجاءت مقترحات الخبراء والمعنيين الاقتصاديين، عقب أزمة السيولة التي تعاني منها الحكومة، والتي تسببت بتأخر توزيع مرتبات العاملين في القطاع العام، وأثرت في تنفيذ عدد من المشاريع، وهو ما دفع وزير المالية إلى مطالبة مجلس النواب لإجراء استضافة له بهدف شرح تداعيات الأزمة المالية.
أزمة هيكلية
الخبير المالي الدكتور نبيل العبادي، دعا إلى ضرورة عدم التعامل مع مقترح تغيير العملة الوطنية بوصفه إجراءً فنياً أو نقدياً منفرداً، مبيناً أن هذا الملف يمثل انعكاساً لعمق الأزمة الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد، ولا يمكن أن يكون بديلًا عن الإصلاحات المالية والنقدية والاقتصادية المطلوبة.
وقال العبادي: إن تغيير العملة ليس حلًا بحد ذاته، وإنما مرآة تظهر حالة الاقتصاد، محذراً من الخلط بين معالجة الأعراض ومعالجة أسباب المشكلة.
القوة الشرائية
وأوضح العبادي، أن حذف الأصفار، باعتباره السيناريو الأكثر تداولًا، يمثل في جوهره إعادة تنظيم للوحدات النقدية وتبسيط للعمليات الحسابية والمحاسبية، من دون أن يعني بالضرورة زيادة القوة الشرائية للمواطن أو ارتفاع القيمة الحقيقية للعملة، مشيرًا إلى أن تغيير العملة لا يمكن التعاطي معه كأداة لاسترداد الأموال المنهوبة بل قد يتحول في بعض السياقات إلى سلاح ذي حدين إذا لم يدار ضمن منظومة إصلاح شاملة.
وحذر الخبير المالي من أن الثروات الكبرى المنهوبة غالبًا لا تبقى على شكل نقد محلي يمكن تتبعه، أو تكون قد هاجرت منذ وقت طويل إلى عقارات وأصول خارجية وحسابات في ملاذات مالية آمنة، مبينًا أن تحولها يجعلها محصنة إلى حد كبير ضد أيّ إجراءات نقدية داخلية.
إدارة المرحلة الانتقالية
وأضاف أن التحدي الأكبر في مثل هذه الإجراءات يتمثل في إدارة المرحلة الانتقالية، لا سيما ما يتعلق بالتوقعات النفسية في السوق وإمكانية استغلال بعض التجار والمضاربين لفترة التحول لرفع الأسعار تحت ذرائع مختلفة، ما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية ويبدد الفوائد الإدارية المتوقعة من عملية حذف الأصفار، مشددًا على أن نجاح أي خطوة بهذا الاتجاه يتطلب وجود استقرار نقدي واقتصادي راسخ قبل تنفيذها، وليس اعتبارها وسيلة لتحقيق ذلك الاستقرار.
مؤكدًا أن جوهر قوة العملة لا يرتبط بشكلها أو عدد الأصفار التي تحملها، وإنما بقوة المؤسسات والاقتصاد الذي تستند إليه.
الاختلالات المزمنة
ورهن العبادي أي مشروع لتغيير العملة بإصلاح مالي حقيقي يحد من الاختلالات المزمنة في الموازنة العامة، إلى جانب تعزيز استقلالية البنك المركزي وضمان قدرته على إدارة السياسة النقدية بعيدًا عن الضغوط المالية، فضلاً عن بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تنويع مصادر الدخل وتوليد النقد الأجنبي،
موضحًا أن العملة القوية هي نتيجة لاقتصاد قوي وليست صانعة له. وخلص إلى أن معالجة الاختلالات الاقتصادية تتطلب الانتقال من الحلول الشكلية إلى إصلاحات جوهرية تشمل المالية العامة، والقطاع المصرفي، والإنتاج والاستثمار، وتنويع مصادر الإيرادات، مفيدًا بأن تغيير العملة من دون إصلاح هذه الملفات قد يتحول إلى إجراء مكلف ومربك للمواطن والسوق، من دون أن يعالج أصل المشكلة الاقتصادية.
إصدار الفئات النقدية
بدوره، عد الباحث في الشأن الاقتصادي، عماد المحمداوي، مقترح تغيير العملة أو إصدار فئة نقدية جديدة لسحب الأموال غير المشروعة من التداول، مقترحًا إيجابيًا نظريًا، مستدركًا أنه غير كافٍ للحد من الفساد أو تعويض النقص الحاصل في السيولة.
وأوضح المحمداوي أنه من الناحية الاقتصادية فان المشكلة ليست في شكل العملة، إنما في كيفية اقناع حائزي الأموال الكبيرة، على كشف مصدرها عند استبدالها، مبينًا أنه إذا تم تغيير العملة من دون إجراءات تدقيق مصرفي وضريبي صارم، يستطيع أصحاب الأموال غير المشروعة استبدالها مثل بقية المواطنين، وبذلك تضيع الغاية الأساسية من المشروع.
وأضاف أن هناك عدم إجماع مع المقترح، لأسباب عدة في مقدمتها، التردد من أن يتحول الإجراء إلى أداة لتجميد الأموال المشروعة غذا لم تتبع الآليات المحددة والموضحة لإثبات مصدر الأموال، فضلاً عن احتمالية استغلال بعض الثغرات من قبل شبكات الفساد للتحايل قبل بدء الاستبدال، يرافق ذلك تأثيرها في النظام النقدي للمواطنين، إذا تمت بشكل مفاجئ، فضلاً على كلفة استبدال العملة وتعقيداتها.
ورهن تحويل تلك المقترحات إلى أدوات فاعلة بمرافقتها لنظام يلزم بإيداع المبالغ الكبيرة في البنوك، والتحقق من مصادرها وربطها بالبيانات المصرفية والضريبية، مع منح فترة زمنية للاستبدال، والعمل الجاد للكشف عن مصدر الأموال.

