شفقنا العراق-أعاد التوجه لاعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة ملف المشاركة الانتخابية إلى الواجهة، وسط جدل بشأن تعديل قانون الانتخابات، وربط قواعد البيانات، ومستقبل ملايين العراقيين الذين لا يمتلكون بطاقات بايومترية.
يستعد العراق لفتح صفحة جديدة في آلية الاقتراع، مع توجه حكومي لاعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة، في خطوة قد تعيد رسم طريقة تسجيل الناخبين والوصول إلى صناديق الاقتراع، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة قانونية وفنية وسياسية بشأن مدى جاهزية المؤسسات لتنفيذ هذا التحول، وما إذا كان من شأنه تسهيل التصويت فعلاً أم فتح تحديات جديدة أمام العملية الانتخابية.
وجاء توجيه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي باعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة، بعد اجتماع مشترك ضم وزارة الداخلية والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ليضع المؤسسات المعنية أمام مهمة استكمال المتطلبات القانونية والفنية للانتقال إلى الآلية الجديدة، إذ وجه الزيدي وزارة الداخلية بتوفير البيانات والمعلومات التي تحتاجها المفوضية.
معالجة تشريعية
وتقول المتحدثة باسم مفوضية الانتخابات جمانة الغلاي إن “الانتقال من استخدام البطاقة البايومترية إلى البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة لا يمكن أن يتم بقرار إداري فقط، باعتبار أن قانون الانتخابات النافذ حدد البطاقة البايومترية كوثيقة معتمدة للاقتراع، الأمر الذي يجعل اعتماد البطاقة الوطنية بحاجة إلى معالجة تشريعية من مجلس النواب”.
وتضيف، أن “المفوضية بدأت منذ فترة العمل على ملف اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة، إذ كان هذا الخيار مطروحاً منذ الانتخابات التشريعية لعام 2025، إلا أن عدم اكتمال التفاهمات مع وزارة الداخلية بشأن آليات تبادل البيانات حال دون الانتقال إليه، وبالتالي استمرت المفوضية باستخدام البطاقة البايومترية في العملية الانتخابية”.
ضوابط سرية
وتوضح الغلاي، أن “مسؤولية وزارة الداخلية في هذا الجانب ستتركز على تزويد المفوضية بالبيانات الحيوية الخاصة بالناخبين، وهذا الملف كان أحد أبرز أسباب عدم إتمام التفاهمات السابقة بين الجانبين، بسبب ارتباط البيانات الحيوية بمعلومات شخصية وأمنية تخضع لضوابط السرية وحماية بيانات المواطنين”، لافتة إلى أن “المفوضية تمتلك في الوقت الحالي البيانات الحيوية لنحو 21 مليون ناخب، في حين يبلغ عدد الناخبين الذين لا تتوفر لدى المفوضية بياناتهم الحيوية قرابة 9 ملايين ناخب”.
حق دستوري
من جهته، يقول الخبير في الشأن الانتخابي سعد الراوي إن “معالجة ملف الناخبين الذين لا يمتلكون البطاقة البايومترية ينبغي أن تنطلق من اعتبار الانتخاب حقاً دستورياً للمواطن، وليس إجراءً إدارياً يمكن أن يؤدي عدم استكماله إلى حرمان أعداد كبيرة من العراقيين من المشاركة في العملية الانتخابية”.
ويضيف، أن “بقاء نحو 9 ملايين ناخب من دون القدرة على التصويت يمثل إشكالية كبيرة، خصوصاً أن حق الانتخاب مكفول دستورياً، ولا يمكن التعامل مع عدم تحديث المواطن لبطاقته أو عدم امتلاكه للبطاقة البايومترية باعتباره سبباً كافياً لإبعاده عن المشاركة”، مبيناً أن “المطلوب هو إيجاد آلية قانونية وفنية تضمن وصول هؤلاء الناخبين إلى صناديق الاقتراع من دون إجبارهم على إجراءات لم يستكملوها سابقاً”.
ويرى الراوي، أن “اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة يمكن أن يمثل معالجة لهذه المشكلة إذا جرى تنظيمه بصورة صحيحة، لكنه يحتاج إلى استعداد مبكر من المفوضية ووزارة الداخلية، ولا سيما في ما يتعلق بتوفير البيانات وربطها بالمنظومة الانتخابية”، موضحاً أن “المرحلة المقبلة تتطلب أيضاً استعداد الأحزاب والقوى السياسية للتغييرات التي قد تطرأ على آلية التصويت، وإطلاق حملات توعية للناخبين بشأن تلك المتغيرات”.
شراء البطاقات
إلى ذلك، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي إن “اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة قد يحدث تغييراً في طبيعة المنافسة الانتخابية وآليات تأثير القوى السياسية في الناخبين، لكنه في المقابل لا يمثل حلاً تلقائياً لمشكلة شراء الأصوات أو بقية أشكال التأثير غير المشروع التي قد ترافق الانتخابات”.
ويضيف التميمي، أن “البطاقة البايومترية كانت توفر وسيلة مهمة للتحقق من هوية الناخب والحد من احتمالات التصويت المتكرر، في حين أن اعتماد البطاقة الوطنية الموحدة قد يسهم في توسيع قاعدة المشاركة وإدخال أعداد أكبر من المواطنين إلى العملية الانتخابية، وهو ما يمكن أن يغير حجم الكتل التصويتية وطبيعة المنافسة بين الأحزاب والمرشحين”.
ويشير إلى أن “زيادة أعداد المشاركين قد تكون لها تداعيات مختلفة، إذ إن اتساع قاعدة الناخبين لا يعني بالضرورة انتهاء الممارسات المرتبطة بشراء الأصوات”، مبيناً أن “التأثير في إرادة الناخب لا يرتبط حصراً بنوع الوثيقة التي يستخدمها يوم الاقتراع، وإنما بمدى قدرة الأحزاب والمرشحين على الوصول إلى المواطنين والتأثير في خياراتهم ومتابعة التزامهم بالتصويت”.

