شفقنا العراق- تتزايد ظاهرة الرشوة في المؤسسات والدوائر الحكومية العراقية لتتحول من مجرد سلوك فردي غير قانوني إلى “كلفة اضطرارية” يلجأ إليها المواطنون لاستدراك البيروقراطية وتأخير المراجعات، وسط تحذيرات حقوقية وأرقام دولية تؤكد عمق الأزمة الهيكلية.
في العراق قد لا تبدأ الرشوة دائماً بورقة نقدية توضع على مكتب موظف، بل بنظرة مفهومة أحياناً، أو عبارة مبهمة مثل “تحتاج المعاملة إلى متابعة”، أو بإحالة المواطن إلى شخص “يعرف كيف يسيّر الأمور”.
أيضاً لا تتوقف مشكلة الرشوة عند موظف يطلب مالاً لأداء واجب يفترض أن يفعله من دون مقابل، إذ يقول مواطنون إنهم باتوا يبحثون بأنفسهم عن الطريق الأقصر لإنجاز معاملاتهم لاستدراك تأخير المراجعات الطويلة والمماطلة والأبواب الكثيرة التي يجب طرقها.
وفي هذه البيئة تصبح الرشوة “كلفة للوقت” رغم أنهم يعرفون أنها غير قانونية.
حجم المشكلة
وتكشف الأرقام عن حجم المشكلة على المستوى العام، ففي مؤشر مدركات الفساد الخاص بعام 2025 الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية لقياس الفساد في القطاع العام، حصل العراق على 28 نقطة من 100، وحلّ في المرتبة 136 عالمياً بين 182 دولة.
وقالت المنظمة إن “العراق يواجه عقبات مؤسسية وهيكلية كبيرة رغم وجود بعض التطورات الإيجابية”.
يقول محمد الزوبعي الذي تضرر منزله وممتلكاته خلال الحرب على تنظيم “داعش” : “رحلة حصولي على تعويض كانت طويلة ومرهقة.
راجعت جهات عدة وانتظرت فترات طويلة، ثم استطعت الحصول على مبلغ مالي لم يمثل سوى نحو نصف قيمة ما خسرته، علماً أنني اضطررت إلى دفع ما يصل إلى نحو 5% من قيمة التعويض رشوة كي أستكمل الإجراءات وأحصل على حقي”.
وتكشف شهادة الزوبعي جانباً آخر من المشكلة يتمثل في أن الفساد يظهر في حالات كثيرة عندما يحاول شخص الحصول على حق أصلي، فيتحوّل الحق نفسه إلى فرصة للابتزاز.
وفي تجربة أخرى مماثلة على صعيد النتيجة، يُخبر فارس الخزرجي : “أردت أن أسرّع إنجاز معاملتي كي أستطيع البدء ببناء منزلي. وبعدما اصطدمت بتأخير ومراجعات دفعت مبالغ مالية لجهات عدة كي لا تبقى معاملتي عالقة.
وما دفعته لم يكن في نظري استثناءً عن القاعدة التي أراها حولي، فالكثير من المراجعين يسلكون الطريق نفسه للتخلص من المماطلة وانتظار المعاملة بين مكتب وآخر.
ومن خلال مراجعاتي الكثيرة للدوائر الرسمية أصبحت أفهم نظرات الموظفين وتلميحاتهم وإشاراتهم التي تعني أن عليّ أن أدفع لإنجاز معاملة. وأخترت مثل غيري أن أدفع كي أكسب الوقت وراحة البال”.
وبينما ترتبط الرشوة في بعض الدوائر بمعاملة فردية، يكشف عالم الأعمال وجهاً آخر لها. ويقول إحسان عدنان، وهو مستثمر يعمل في السياحة: “جزء كبير من أعمالي يرتبط بدفع مبالغ غير قانونية لتسهيل الإجراءات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإنجاز معاملات عدة وفتح مشروع جديد.
معقب المعاملات
وعندما قررت افتتاح مطعم سياحي استعنت بمعقب معاملات تولى المراجعات الرسمية بدلاً مني، وهو كان يعرف الجهات التي يجب مراجعتها والموظفين الذين يمكن التعامل معهم، وتولى دفع المبالغ المطلوبة لتسهيل الإجراءات، وهي غير قانونية”.
وينعش انتشار الرشاوى عمل من يطلق عليهم مُعقّبي المعاملات الذين يملكون علاقات واسعة داخل الدوائر الحكومية تسمح لهم بإنجاز المعاملات بسهولة مقابل مبالغ محددة.
ويقول جاسم البياتي، وهو معقب معاملات: “أصبح الاعتماد على معقّب بالنسبة إلى كثيرين وسيلة لتجنّب الاحتكاك المباشر بالدوائر الرسمية، لأن المعقّب يعرف كيف يسيّر الأمور من خلال دفع أموال لا تظهر في أي إيصال رسمي”.
ويقول المحامي عمر حسين، مستنداً إلى أحكام قانون العقوبات العراقي المتعلقة بجريمة الرشوة: “تكمن خطورة الرشوة في أنها تمثل استغلال الموظف لوظيفته من أجل كسب غير شرعي، وتتناول المادة 307 من قانون العقوبات حالة الموظف أو المكلف بتوفير خدمة عامة ويفرض على مراجع دفع مبلغ مالي لأداء الوظيفة المكلف بتنفيذها”.
يضيف: “لا تعني الرشوة بالضرورة دفع المبلغ المالي المطلوب فعلاً، فمجرد الطلب قد يكون له أثر قانوني إذا توفرت بقية عناصر الجريمة. ويعلم جميع الموظفين بالقانون الذي يجرّم من يتعاطى الرشوة”.
الجريمة والعقاب
وعموماً شهدت السنوات الأخيرة إجراءات وملاحقات ضد متهمين بتقاضي رشاوى. وأعلنت جهات رسمية عراقية في حالات مختلفة توقيف أو معاقبة موظفين ومسؤولين بسبب طلبهم أو قبولهم مبالغ مالية، ما يؤكد أن الظاهرة ليست خارج نطاق الرقابة والمساءلة.
وأحدث هذه القضايا كان إعلان هيئة النزاهة الاتحادية هذا العام قضايا رشوة شملت مسؤولين، من بينها لمدير عام في وزارة التربية اتُّهم بطلب 50 ألف دولار، وأخرى لضابط برتبة عميد في نينوى اتُّهم بطلب 15 ألف دولار للتلاعب بإفادة متهم وتغيير تاريخ ارتكابه فعلاً جرمياً.
ولا تقتصر المواجهة على العقوبات، فعام 2023 أعلنت هيئة النزاهة العراقية قرار منح أشخاص أبلغوا عن جرائم فساد واختلاس مالي نسبة 3% من الأموال المستردة التي أودعت في حساباتهم المصرفية ومع الحفاظ على سرية هوياتهم، وذلك لمحاولة تشجيع المواطنين على الإبلاغ.
وأكدت هذه الخطوة من جهة الانتشار الواسع لتعاطي الرشاوى، ومن جهة آخرى تشديد الجهات الرسمية قبضتها في ملاحقة المرتشين ومحاربتها الظاهرة.

