شفقنا العراق- فيما عزا العالم الاسلامي بشهادة الإمام الحسن العسكري (ع)، قال ممثل المرجعية الدينية العليا في أروربا السيد مرتضى الكشميري، إن الامام (ع) الذي لم يتجاوز عمره 28 سنة، ترك تراثًا عظيمًا في العبادة والعلم والأخلاق والتربية والصبر والثبات، وان يؤدي مسؤوليته الالهية في مرحلة كانت من ادق المراحل التي مرت بها مدرسة اهل البيت (ع).
وتزامنا مع هذه الذكرى الاليمة، ذكرى تتويج الإمام المهدي (عج) بالإمامة من بعد أبيه الإمام العسكري (ع)، أقامت مؤسسة اهل البيت (ع) لاحياء التراث مجلسا بمناسبة شهادة الامام الحادي عشر ، وقد تحدث العلامة السيد مرتضى الكشميري مجملا عن المحطات المضيئة من حياة الامام العسكري (ع) الذي كان نموذجا لشخصية تحملت المسؤولية في سن مبكر، مما يدعونا للتأسي والاقتداء بها لنربي من خلال هذه السيرة العطرة انفسنا وابناءنا واجيالنا لنكون اهلا لحمل هذه الرسالة ، نشير الى ست نقاط من حياة هذا الامام العظيم لتكون درسا لحاضرنا ومستقبلنا:
1- ان نربي ابناءنا على المسؤولية المناطة بهم لان الامام الحسن العسكري (ع) كان نموذجا لشخصية تحملت المسؤولية في سن مبكر، ولذلك ينبغي ان نقتدي بسيرته تربويا واخلاقيا ودينيا وعمليا.
2- ان نجمع بين العبادة والوعي: فالمؤمن ليس عابدا بلا وعي، ولا مثقفا بلا عبادة، وانما المطلوب ان يجمع الانسان بين الايمان والعلم والعقل والعمل.
3- ان نتعامل مع الازمات بحكمة: فليس كل ظرف يحتاج الى مواجهة مباشرة، وليس كل سكوت ضعفا، فالحكمة ان يعرف الانسان متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يتحرك وكيف يتحرك.
4- ان نحفظ اخلاقنا في زمن الاختلاف: فمن السهل ان يكون الانسان اخلاقيا عندما يتفق مع الاخرين، لكن الامتحان الحقيقي عندما يختلف معهم، وهنا نتعلم من الامام العسكري (ع) ان حفظ كرامة الانسان جزء من الدين.
5- كيف نبني انفسنا للمستقبل: فلقد كان الامام العسكري (ع) يعيش الحاضر ولكنه كان يفكر بالمستقبل ايضا، وهي مسؤولية كل مؤسسة دينية وعلمائية واجتماعية .
6- ان يكون المؤمن نافعا: فان من اجمل الدروس التي تركها الامام (ع) ان قيمة الايمان تظهر في خدمة الاخرين، فالمؤمن الذي يصلي ولكنه لا يهتم بالام الناس لم يستكمل حقيقة الايمان.
وبهذه الاشارة المجملة تعتبر حياة الامام الحسن العسكري (ع) على قصرها كانت غنية بالمحطات، فولادته في بيت الامام (ع) ونشاته العلمية والعبادية وانتقاله الى سامراء ومواجهة الحصار والرقابة وتعليمه للامة وتربيته للشيعة وتنظيمه شؤونهم وتمهيده لمرحلة الغيبة لابنه الامام المهدي (عج) وصبره على المحن وثباته على خط الامامة حتى شهادته ، ولعل اعظم درس نستفيده من حياته هو ان قوة الانسان ليست دائما في قدرته على تغير الظروف، وانما في قدرته على المحافظة على ايمانه ومبادئه وتحويل الظروف الصعبة الى وسيلة لصناعة الاثر.
لقد عاش الامام العسكري (ع) في زمن ارادت السلطة ان تعزله عن الامة ولكنه بقي حاضرا في قلوب المؤمنين، وارادت ان تحاصره في مدينة عسكرية فانتشرت كلماته ومواقفه خارج حدود سامراء، وارادت ان تنهي اثره باستشهاده فاذا بمدرسته تمتد عبر القرون.
وهكذا تبقى سيرة هذا الامام رسالة الى كل مؤمن يعيش في زمن صعب لا تجعل صعوبة الظروف سببا للتراجع عن الحق، ولا تجعل قصر الامر عذرا لقلة العطاء، ولا تجعل المحنة نهاية الطريق، فقد يستطيع الانسان اذا صدق مع الله ان يجعل من حياته القصيرة اثرا باقيا الى اجيال طويلة.
فسلام الله عليك ايها الامام العسكري يوم ولدت ويوم عشت صابرا محتسبا ويوم استشهدت مظلوما ويوم تبعث حيا.
جعلنا الله من الثابيتن على ولاية اهل البيت (ع) والسائرين على نهجهم ومن المنتظرين لفرج وليه الاعظم (عج).
الى جانب هذه المناسبة المحزنة، اعقبتها في اليوم التالي التاسع من ربيع الاول مناسبة مفرحة وهي (تتويج الامام المهدي المنتظر (عج)) بتاج الامامة وهو ابن ست سنين، وبهذا تتبدد شبهة (عيد الزهراء (ع)) التي يتحدث عنها التراث الامامي والذي وردت في فضله رواية مشهورة لكن سندها محل اشكال ولا يصح الجزم بكل تفاصيلها.
وما قيل من ان يوم التاسع تاريخيا هو مقتل بعض الصحابة فلا يصح لان مقتله كان في ذي الحجة بحسب المصادر التاريخية ، واما تسميته بـ(عيد الزهراء (ع)) فهي تسمية شائعة في بعض الاوساط وليست عنوان متفق على ثبوته شرعا، وبالمقابل فان خصوصية اليوم باعتباره اول ايام امامة الامام المهدي (عج) بعد شهادة ابيه الامام العسكري (ع) لها وجه معروف عند عدد من العلماء ، ولذلك فالاحوط والاجمل ان يُتعامل معه كمناسبة للفرح المشروع بولاية اهل البيت (ع) وامامة صاحب الزمان (عج) من دون نسبة ما لم يثبت الى الشريعة، ومن دون ارتكاب المحرمات او الاساءة الى الاخرين، وهكذا تصبح فرحة الزهراء (ع) فرحة بالهداية لا فرحة بالخصومة، وفرحة بالولاية لا فرحة بالعدوان، وفرحة بالامام المهدي (عج) لا مناسبة لتعطيل احكام الله، واذا كان الانسان يريد حقا ان يدخل السرور على قلب الزهراء (ع) فاعظم ما يستطيع فعله ان يسأل نفسه في ذلك اليوم: هل انا اليوم اقرب الى اخلاق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والائمة (ع)؟ وهل لو ظهر الامام المهدي (عج) الان لوجدني من انصاره الصادقين؟ فاذا كان الجواب نعم فقد تحولت المناسبة من احتفال عابر الى عهد مع اهل البيت (ع)، ومن يوم في التقويم الى يوم في بناء الانسان.
نسال المولى سبحانه وتعالى ان يعجّل في فرج قائم ال محمد (ص) وان يجعلنا من انصاره واعوانه ومن الممهدين لدولة سلطانه انه سميع مجيب.
اللهم ارنا الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة، واكحل نواظرنا بظهوره، انهم يرونه بعيدا ونراه قريبا برحمتك يا ارحم الراحمين.

