شفقنا العراق-لم يعد الجفاف في أهوار جنوب العراق أزمة بيئية فقط، بعدما دفع آلاف السكان إلى مغادرة مناطق ارتبط وجودهم بها منذ قرون. وفي الوقت نفسه، تتراجع أعداد الصابئة المندائيين بفعل الهجرة، ما يضع اثنين من أقدم مكونات العراق أمام تغير ديموغرافي قد يصعب عكسه.
بالتزامن مع اليوم الدولي للشعوب الأصلية، كشف مختصون ومنظمات مجتمعية عن حجم التحديات التي تواجه السكان الأصليين في بلاد الرافدين، مشيرين إلى مخاطر دفعت أعدادا كبيرة منهم إلى الهجرة خارج البلاد أو النزوح من مناطق سكن أسلافهم الأوائل.
يأتي ذلك في وقت تتحدث فيه أوساط طائفة الصابئة المندائيين، التي تعد من أقدم المكونات العريقة التي سكنت العراق، عن هجرة أكثر من 70 بالمئة من أبنائها، فيما تشير معطيات الواقع العراقي إلى هجرة أعداد كبيرة أخرى من بقية المكونات، بينما تفيد المصادر الرسمية في محافظة ذي قار بهجرة ونزوح 66 ألف نسمة من سكان الأهوار، موطن السومريين الأوائل.
وعن واقع السكان الأصليين في العراق، الذين يشكل سكان الأهوار والصابئة المندائيون أحد أركانهم الأساسية في محافظة ذي قار، قال ممثل طائفة الصابئة المندائيين في ذي قار، الدكتور سامر نعيم، إن «السكان الأصليين في بلاد الرافدين، ولاسيما أبناء طائفة الصابئة، لا يزالون يعانون من التهميش والحرمان في مختلف المجالات الرسمية، فضلا عن مخاطر وتحديات أخرى دفعت بالكثير منهم إلى الهجرة الاضطرارية إلى خارج البلاد»، عادا التمثيل البرلماني للطائفة المندائية، المتمثل بعضو واحد، تمثيلا شكليا غير مؤثر في سلطة القرار.
وأضاف نعيم أن «الحكومات المتعاقبة بخلت على المندائيين حتى بالمناصب الفخرية التي قد تجبر خواطر الأقليات، فضلاً على حرمانهم من التمثيل الحكومي الذي يتناسب مع عراقة السكان الأصليين في العراق».
ويرى نعيم أن «الهجرة نخرت قاعدة المكونات العراقية التي تشكل أقلية في المجتمع العراقي، ومن بينها الطائفة المندائية، إذ هاجر الكثير من أبنائها المعروفين بمكانتهم العلمية والاجتماعية والاقتصادية»، متحدثا عن هجرة أكثر من 70 بالمئة من المندائيين إلى بلدان المهجر في أوروبا وأميركا وأستراليا.
أبرز أسباب الهجرة
ويجد ممثل طائفة الصابئة المندائيين أن «من أبرز أسباب الهجرة عدم استقرار الأوضاع العامة في العراق، يضاف إليها التضييق والحرمان ونقص الخدمات، في مقابل ما تقدمه دول المهجر من ضمانات لحقوقهم»، محذرا من أن تدفع هذه الظروف المزيد من المندائيين نحو الهجرة.
وتطرق نعيم إلى آثار الهجرة على الوجود الاجتماعي للمندائيين وعاداتهم وتقاليدهم وثقلهم الاجتماعي وتماسك الطائفة، إلى جانب ما تسببه من حرمان البلاد من الكفاءات المندائية في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والإدارية.
من جانبه، يرى الناشط المدني في مجال الدفاع عن الأهوار، المهندس جاسم الأسدي، أن «عرب الأهوار في طليعة السكان الأصليين في العالم، لكنهم محرومون من أبسط حقوقهم، وفي طليعتها العدالة البيئية والحق في المياه العذبة والحفاظ على بيئتهم»،
مبينا أن «جذور سكان الأهوار الثقافية والمعرفية وحتى الجينية تمتد إلى أولئك الأجداد الذين بنوا الزقورات والقوس الأول والقانون الأول والعجلة الأولى في العالم»، مضيفا أنهم «ورثة السومريين والأكديين وثراء بصماتهم الحضارية».
وتحدث الأسدي عما يواجهه سكان الأهوار من تحديات في الوقت الراهن، قائلا: «منذ خمس سنوات ضرب الجفاف أهوار جنوب العراق، وخسر الكثير من الأهواريين مصادر رزقهم الأساسية المتمثلة بصيد الأسماك والطيور وتربية المواشي والصناعات الحرفية التي تعتمد على نباتات القصب والبردي وغير ذلك من اقتصاديات الماء»، مضيفا: «وتلوح في الأفق هجرة ونزوح ما تبقى من ورثة السومريين من أجل البقاء على قيد الحياة».
وتطرق الأسدي، الذي يشغل موقع المدير الإقليمي لمنظمة طبيعة العراق، إلى آثار التغير المناخي وما يشكله من تهديد خطير للسكان المحليين وموارد المياه والنظم البيئية المحلية والعالمية، لافتا إلى أن ذلك أخذ ينعكس سلبا على مجتمعات السكان الأصليين التي تربطها روابط ثقافية عميقة بأراضيهم.

