شفقنا العراق-قد يبدأ الاقتراض بهدف سد حاجة طارئة أو تمويل مشروع، لكنه قد يتحول، مع تأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات السوق، إلى سلسلة من الديون المتراكمة، وسط تحذيرات من امتداد الضغوط المالية إلى العلاقات الأسرية والاستقرار الاجتماعي والنفسي.
وفي العراق، لم تعد القروض والسلف المصرفية مجرد أرقام تتداولها المصارف، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لشرائح واسعة من المواطنين، وبينما تبدو هذه الأموال في لحظة الحصول عليها حلاً لمشكلة، يمكن أن تتحول، إذا لم تُدرس شروطها وقدرة المقترض على السداد، إلى مشكلة جديدة ترافق الأسرة لسنوات،
فالسؤال هنا لا يتعلق بما إذا كان المواطن يحتاج إلى القرض، فهو يحتاجه بالفعل، ولا بما إذا كانت المصارف مطالبة بالإقراض، فهي جزء أساسي من الدورة الاقتصادية، وإنما بالسؤال الأصعب: هل تعمل منظومة الإقراض في العراق لمصلحة التنمية والمواطن معاً، أم أن جزءاً من الأموال التي تضخ في السوق يتحول في النهاية إلى عبء على المقترض؟
الإقراض المسؤول
في هذا السياق، يبين مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية الدكتور مظهر محمد صالح أن “تنظيم عمليات الإقراض في العراق يحتاج إلى تطوير مستمر للمنظومة التشريعية والرقابية، بما يحقق التوازن بين حق المواطنين في الحصول على التمويل من جهة، وضرورة حمايتهم من مخاطر الإفراط في المديونية من جهة أخرى”.
ويشير صالح إلى أن “التشريعات الحالية تنظم عمليات الإقراض بشكل واضح، إلا أنها لا توفر، في بعض جوانبها، حماية استباقية كافية للمواطنين من مخاطر تراكم الديون، فمعظم النصوص تركز على تنظيم العلاقة التعاقدية بين المقرض والمقترض، وضمان حقوق الدائنين وآليات تحصيل الديون، أكثر من تركيزها على وضع ضوابط تحد من الإفراط في الاقتراض، أو إلزام المؤسسات المالية بإجراء تقييم دقيق ومستقل لقدرة المقترض على السداد، رغم وجود لوائح وتعليمات رقابية مصرفية تهدف إلى مواجهة مخاطر الائتمان والتعثر”.
ويلفت إلى أن “البنك المركزي العراقي والجهات الرقابية المختصة تؤدي دوراً مهماً في تنظيم القطاع المالي والإشراف على المصارف، من خلال تحديث التعليمات وآليات الرقابة، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة إلى تطوير الأطر التشريعية والرقابية بما يعزز مفهوم (الإقراض المسؤول)، ويرفع مستوى الشفافية بشأن أسعار الفائدة والعمولات والرسوم والكلف الحقيقية المترتبة على القروض”.
ويؤكد صالح “أهمية تحديث المنظومة التشريعية بما يواكب التطورات الاقتصادية والمالية، وإلزام المصارف ومؤسسات التمويل بالإفصاح الكامل عن جميع كلف القروض، إلى جانب اعتماد معايير واضحة لتقييم الملاءة المالية للمقترض وقدرته على السداد قبل منحه التمويل، وفق قواعد إدارة المخاطر الائتمانية والممارسات المصرفية السليمة”.
توجيه الائتمان
بينما يؤكد الخبير الاقتصادي ضياء المحسن أن “تقييم دور الجهاز المصرفي العراقي في الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج يرتبط بشكل أساسي بكيفية توجيه الائتمان، وليس بمجرد حجم الأموال التي تم ضخها في الاقتصاد”.
ويشير المحسن إلى أن “هناك قروضاً ساهمت بالفعل في خلق نشاط اقتصادي وتوفير فرص عمل، إلا أنه لا يعتقد أن أثر هذه القروض جاء بحجم الأموال التي ضُخت في الاقتصاد”، لافتاً إلى أن “بيانات البنك المركزي العراقي تشير إلى أن مخصصات مبادرة تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بلغت نحو ترليوني دينار في عام 2022، وأسهمت في خلق آلاف فرص العمل وتمويل نحو 3 آلاف وحدة سكنية”.
ويؤكد أن “القرض يمكن، في حال توظيفه بالشكل الصحيح، أن يتحول إلى وظيفة ودخل وطلب محلي وإنتاج وضريبة”، مبيناً أن “ذلك يعتمد بصورة أساسية على نوعية القروض وطريقة توظيفها بما يخدم الاقتصاد المحلي”.
ويضيف أن “المشكلة لا تتعلق بحجم القروض الممنوحة بقدر ما تتعلق بتوجيه الائتمان”، موضحاً أن “احتساب عدد القروض والمستفيدين لا يعني بالضرورة نجاح المشاريع التي حصلت عليها”.
ويبين أن “القروض إذا ما وجهت إلى الأنشطة التي تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، فإن ذلك سينعكس على التشغيل والإنتاجية، ويعني أن السياسة الائتمانية بدأت تؤدي دورها في التحول الهيكلي للاقتصاد العراقي، أما إذا ذهبت النسبة الأكبر من الائتمان إلى الاستهلاك والسكن والتجارة قصيرة الأجل، فإن ذلك يعطي مؤشرًا على أن الجهاز المصرفي لم يتحول إلى أداة للسياسة التنموية، وإنما بقي بدرجة أكبر أداة لتمويل الطلب”.
ويشدد على ضرورة ربط سعر الفائدة وفترة السماح والضمانات بالأثر التنموي للقرض، بحيث يحصل النشاط الاقتصادي الأكثر إنتاجية وتأثيراً في الاقتصاد الوطني على شروط تمويل أكثر ملاءمة، بما يجعل الائتمان المصرفي أداة حقيقية لدعم الإنتاج والتنمية، وليس مجرد وسيلة لزيادة الطلب والاستهلاك.
وسيلة مساعدة أم عبء إضافي؟
بدوره يوضح الباحث الاجتماعي وليد الدين الخفاجي أن “الجانب الاقتصادي يمثل أحد أهم مرتكزات استقرار حياة الإنسان”، موضحاً أن “البناء الاجتماعي يقوم على مستويين، الأول هو البناء الفوقي الذي يتمثل في القيم والأخلاق والعادات والتقاليد، فيما يشكل الاقتصاد والبنى التحتية ما يمكن تسميته بالبناء التحتي”.
ويقول الخفاجي: إن “مختلف سلوكيات الإنسان وقراراته ترتكز، بدرجات متفاوتة، على الجانب المادي، إذ لا يستطيع الفرد أن يعيش بمعزل عن احتياجاته الاقتصادية الأساسية، فحين لا تتوافر هذه الاحتياجات، يصبح الإنسان أقل قدرة على التفكير السليم وبناء علاقات اجتماعية مستقرة، لأنه ينشغل أولاً بتأمين متطلبات حياته الأساسية وإشباع حاجاته الضرورية”.
وحسب الخفاجي يلجأ بعض الأفراد إلى القروض بهدف سد النقص في احتياجاتهم أو تمويل بعض المشاريع وتسيير أمور الحياة، إلا أن الأزمات الاقتصادية وتقلبات السوق، فضلاً عن تأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، قد تحول القرض من وسيلة مساعدة إلى عبء إضافي، فيجد الفرد نفسه مضطراً إلى الاستدانة مجددًا لسداد ديونه السابقة، لتتراكم عليه الالتزامات المالية.
ويضيف أن “الإنسان أمام متطلبات متعددة، من بينها الإيجار والسكن والمعيشة والتعليم والمدارس والجامعات والعلاج والاحتياجات الخاصة وغيرها، وفي حال عجزه عن توفير هذه المتطلبات، فإنه قد يدخل في دائرة الديون، التي لا تتوقف آثارها عند الجانب الاقتصادي، بل قد تمتد إلى الحياة الاجتماعية والأسرية”.
ويحذر الخفاجي من أن “الضغوط المالية المتراكمة يمكن أن تنتج عنها مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة، مثل الخلافات الأسرية والطلاق، وقد تصل في بعض الحالات إلى الهجرة أو الانتحار، ما يجعل الاستقرار الاقتصادي عاملاً أساسياً في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والنفسي للفرد”.

