شفقنا العراق-بعد نحو عقد على اجتياح تنظيم داعش لسنجار، لم تعد الحرب وحدها تقف وراء استمرار فراغ قرى المنطقة، إذ يواجه السكان الذين يحاولون العودة أزمة متشابكة من شح المياه وتغير المناخ وغياب فرص العمل وتراجع الخدمات وبطء إعادة الإعمار، ما يجعل عودة الآلاف إلى مناطقهم الأصلية أكثر صعوبة ويهدد بإفراغ قرى بأكملها من سكانها.
لا شيء يلفت الزائر إلى قرية فكّة في قضاء سنجار شمالي العراق أكثر من صمتها. لا أطفال في الشوارع، ولا متاجر مفتوحة، فيما تنتشر المنازل التي فقدت أسقفها على سفح التل، وتحمل جدرانها آثار القذائف، بينما تنمو الأعشاب والنباتات البرية داخل الغرف المنهارة.
بعد نحو عقد على اجتياح تنظيم داعش الإرهابي للمنطقة، لا تزال الحرب حاضرة في تفاصيل المكان، لكن سكانا عادوا إلى قراهم يقولون إن عدوًا آخر ظهر بعد انتهاء المعارك: المياه، وغياب فرص العمل، وتراجع الخدمات، ومستقبل الزراعة.
ويقول مختار فكّة، رجب محمد، البالغ 62 عاما: “المشكلة اليوم ليست داعش وحده. إنها المياه. إنها فرص العمل. إنها المستقبل”.
وفي أنحاء سنجار، أصبحت المنازل المهجورة أكثر من تلك التي يسكنها أصحابها. انتهت المعركة العسكرية ضد داعش، لكن معركة أخرى لإنقاذ القرى من الجفاف والإهمال بدأت، فيما تتقلص فرص عودة السكان عاما بعد آخر.
من 150 عائلة إلى 20
قبل آب 2014، كانت نحو150 عائلة تعيش في فكّة. لكن مع سيطرة داعش على منطقة سنجار وتقدم المعارك، اضطر السكان إلى الفرار.
وفي ذلك الشهر، ارتكب التنظيم ما وصفته الأمم المتحدة بأنه إبادة جماعية بحق الإيزيديين، في حملة أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص واختطاف أكثر من 6 آلاف، معظمهم من النساء والأطفال.
نجت فكّة وقرية قوبق المجاورة من عمليات القتل الجماعي التي شهدتها قرى أخرى، لكن الغارات الجوية والعمليات البرية دمرت أجزاء واسعة منهما. واليوم، لم تعد إلى فكّة سوى نحو 20 عائلة.
أما بقية السكان فاستقروا في مناطق أخرى، في ظل غياب إعادة الإعمار وفرص العمل والخدمات الأساسية، فيما جعل تغير المناخ الزراعة، التي يعتمد عليها سكان الريف، أكثر صعوبة.
ويقول عقيل رضا من قوبق: “يسأل الناس لماذا لا تعود العائلات. الجواب بسيط. أين ستعيش؟ وكيف ستكسب قوتها؟”.
الماء.. المعركة الجديدة
ويواجه العراق أصلًا أزمة متفاقمة في المياه والمناخ. وقد صنفته الأمم المتحدة خامس أكثر الدول عرضة لتراجع توافر المياه والغذاء والارتفاع الشديد في درجات الحرارة.
وتشير التوقعات الحكومية إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة السنوي في العراق بمقدار 2.5 درجة مئوية بحلول 2050، مع زيادة عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة مستويات الحرارة الشديدة. وفي سنجار، اقتربت درجات الحرارة هذا الصيف من 50 درجة مئوية.
وأصبحت الأمطار أكثر اضطرابا، والصيف أطول وأكثر حرارة، فيما أدى الجفاف المتكرر إلى تراجع الإنتاج الزراعي. وحذر الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق من أن البلاد قد لا تتمكن من تلبية سوى 15 بالمئة من احتياجاتها المائية بحلول 2035 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وتزداد المشكلة وضوحا في المناطق الريفية، حيث ترتبط أزمة المناخ بالهجرة ارتباطا وثيقا. ووفق المنظمة الدولية للهجرة، نزح أكثر من 186 ألف شخص في العراق بسبب عوامل مرتبطة بالمناخ حتى أيلول 2025.
قرى تتقلص.. وجيل يغادر
في تل جدوع، يتنقل بهجت عثمان حسن بين منازل مدمرة لم تُبنَ من جديد. الطرق لا تزال ترابية في معظمها، والكهرباء متقطعة. وقبل الحرب، كان أكثر من 200 شخص يعيشون في القرية، أما اليوم فلم يبقَ سوى نحو 50 شخصا.
يقول حسن: “الناس لم يرحلوا لأنهم أرادوا ذلك. رحلوا لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش هنا”. ولا تزال بعض المناطق المحيطة ملوثة بمخلفات الذخائر غير المنفجرة التي خلفتها الحرب ضد داعش، لكن مشكلة أخرى تتفاقم تحت الأرض: المياه الجوفية تتراجع باستمرار.
ويقول حسن إن الوصول إلى المياه كان ممكنا قبل سنوات عبر حفر بعمق نحو 10 أمتار، أما اليوم فأصبح السكان مضطرين إلى الحفر حتى عمق يقارب 25 مترا، في عملية تزداد كلفتها عاما بعد آخر.
وفي قرية الساجعة، تبدو الصورة أكثر قسوة. فقد كانت تضم قبل الحرب 37 عائلة، لكن لا أحد يعيش فيها اليوم.
ولا تزال 24 دارا قائمة، لكنها متضررة بشدة، فيما غطت النباتات البرية الغرف والساحات والحقول التي هجرت منذ سنوات.
ويقول عاصف حسن علي، البالغ 43 عاما، وهو من القلة الذين ما زالوا يعودون إلى المنطقة: “الجميع ذهبوا إلى تلعفر”.
ويعيش علي في تلعفر، لكنه يعود خلال موسم الزراعة ليقيم في مقطورة قرب الحقول التي لا يزال يعمل فيها.
ويقول: “بالنسبة للعائلات، الأمر مستحيل. كل شيء تعرض للقصف، ولا أحد يستطيع العيش هنا”، وحتى الزراعة لم تعد آمنة.
وفي قرية قزل قيو، يواجه السكان شكلًا آخر من تداعيات تغير المناخ. فقد قال الشاب سامن، البالغ 19 عاما، إن حديقة الخضراوات التابعة لعائلته احترقت بالكامل بعد أن اجتاحت دوامة غبار الحقول المجاورة، وتسببت شرارة كهربائية في إشعال النباتات الجافة.
وتحولت هذه الدوامات من الهواء الساخن والغبار، التي تزداد خلال فصول الصيف العراقية القاسية، إلى مشهد مألوف ورمز جديد للمناخ المتغير. لكن القرى لا تخسر سكانها فقط، بل تخسر جيلها الجديد أيضا.
فالمدارس تستقبل أعدادا أقل من التلاميذ عاما بعد آخر، ومن يكملون تعليمهم الثانوي غالبا لا يعودون بعد الجامعة. فيما يتجه آخرون مباشرة إلى العمل في مدن مثل الموصل وأربيل، حيث توفر أعمال البناء دخلا أكثر استقرارا من الزراعة، حتى وإن كانت الأجور متواضعة.
ويقول سامن: “معظم أصدقائي يريدون الرحيل. أحيانا أريد الرحيل أنا أيضا. لكن إذا غادرت، فمن سيساعد والديّ؟”.
وهكذا، لا تبدو قرى سنجار أمام مشكلة إعادة إعمار المنازل فقط، بل أمام سؤال مهم: هل يمكن إعادة الناس إلى قرى لا ماء فيها، ولا وظائف كافية، ولا خدمات مستقرة، ولا مستقبل واضح للزراعة؟ فالحرب التي دفعت سكانها إلى الرحيل انتهت، لكن الظروف التي تمنعهم من العودة لا تزال تتسع.

