شفقنا العراق-تتجه الحكومة إلى إرسال مشروع موازنة 2027 في تشرين الأول، وسط أزمة سيولة وغياب موازنة العام الحالي، فيما يضع ارتفاع النفقات التشغيلية وهيمنة النفط المالية العامة أمام خيارات صعبة.
وفي مقابل المسار الحكومي لضبط التوقيتات التشريعية، تبدي اللجنة المالية النيابية قلقا من شح السيولة الحالي، وترى أن استعادة الانضباط المالي تتطلب ضغطا أوسع على المؤسسات لتعظيم الموارد غير النفطية وتحويل الوزارات المستهلكة إلى طاقات منتجة.
وقال عضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، إن الأزمة المالية وشح السيولة بلغا ذروتهما خلال هذه الأشهر نتيجة التأخر المباشر في عائدات مبيعات النفط للأشهر السابقة، مبينا أن الموارد التي صُرفت في الأشهر الماضية كانت تغطي استحقاقات سابقة، فيما بدأت آثار عدم بيع النفط تظهر بصورة انكماشية واضحة في السوق والسيولة.
وأكد كوجر أن الأزمة المالية الراهنة حتمية، وأن سقف السحب من الاحتياطي النقدي والإجراءات الصارمة المتعلقة بالجباية والضرائب والمنافذ الحدودية لن تتمكن من تغطية أكثر من 25% من حجم الأزمة القائمة كحد أقصى، ما يفرض، بحسب قوله، حلولا جذرية.
وبين أن الحكومة وعدت بإرسال موازنة البرامج لعام 2027 في موعدها المحدد منتصف تشرين الأول، طبقا لقانون الإدارة المالية، مؤكدا أن الالتزام بهذا التوقيت ضرورة لتنظيم الشؤون المالية مع بداية العام الجديد، خصوصا مع غياب موازنة عام 2026.
واستبعد كوجر إدراج تثبيت عقود جديدة أو درجات وظيفية إضافية في ظل عجز الحكومة عن تأمين الرواتب الحالية، مشيرا إلى أن موازنة 2027 ستشهد، لأول مرة، تطبيق موازنة البرامج والأداء بصورة تجريبية على محافظتين ووزارة الكهرباء، معربا عن أمله في أن يسهم هذا التطبيق في معالجة أزمة الكهرباء.
وأضاف أن اللجنة المالية تضع في مقدمة أولوياتها التشريعية معالجة الأزمة المالية، والضغط لضبط الموارد الجمركية والضرائب، وتحويل الوزارات الخدمية والمستهلكة إلى مؤسسات منتجة.
وأشار إلى استمرار العمل التشريعي عبر جلسات مكثفة عُقدت مع المصارف، وقسم الموازنة، ووزير المالية، وهيئات الضرائب والمنافذ الحدودية لضبط الإيرادات، لافتا إلى وجود طلب نيابي لاستضافة وزير المالية تحت قبة البرلمان لمناقشة الوضع المالي وتمرير حزمة قوانين إصلاحية، مع تقديم تطمينات بشأن تأمين الرواتب.
تقلبات أسعار النفط العالمية
وعلى المستوى الاقتصادي، يرى متخصصون أن التحدي الأساسي أمام موازنة 2027 يتمثل في كيفية التعامل مع العجز المتوقع وارتفاع فاتورة النفقات التشغيلية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من الموارد، وسط تقلبات أسعار النفط العالمية.
وقال المتخصص بالشأن الاقتصادي، جليل اللامي إن إمكانية إرسال موازنة 2027 إلى مجلس النواب خلال تشرين الأول المقبل ما زالت قائمة من الناحيتين الفنية والقانونية، مع بدء وزارة المالية فعليا بإعدادها ووجود تفاؤل حكومي بالالتزام بالتوقيت، مستدركا بأن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على صياغة موازنة واقعية تواجه ضغط تذبذب أسعار الخام.
وأوضح اللامي أن التقديرات الأولية تشير إلى أن حجم موازنة عام 2027 يناهز 200 تريليون دينار، بما يعادل نحو 153 مليار دولار، بافتراض سعر صرف رسمي يبلغ 1300 دينار للدولار، مبينا أن النفقات التشغيلية المخصصة للرواتب والتقاعد والدعم الاجتماعي ستستحوذ على نحو 155 تريليون دينار، أي ما نسبته 78% من إجمالي الموازنة العامة.
وأضاف أن النفقات الاستثمارية والمشاريع ستستحوذ على نحو 50 تريليون دينار بنسبة 22%، فيما تقتطع البرامج الموجهة بالأداء ضمن التحول المالي الجديد نحو 50 تريليون دينار كجزء من الاستثمار الكلي، مع تركيز على قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية والخدمات الأساسية.
ولفت اللامي إلى أن الهيكل الإيرادي سيبقى تحت هيمنة النفط بنسبة تتجاوز 86%، مقابل إيرادات غير نفطية محدودة لا تتعدى 14%، أي ما يعادل نحو 14 تريليون دينار، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، استمرار ضيق القاعدة الضريبية والجمركية وعدم تفعيل أدوات الجباية الشاملة.
وتابع أن التقديرات التحفظية لأسعار النفط المعتمدة في الموازنة تتراوح بين 60 و65 دولارا للبرميل، متوقعا أن يسجل العجز المالي المخطط ما بين 35 و40 تريليون دينار، أي نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد يتسع إلى 23% في حال هبوط الأسعار دون مستوى 60 دولارا.
وشدد على أن مساهمة القطاعات غير النفطية، كالضرائب والجمارك والرسوم وإيرادات الشركات الحكومية، لن تغطي سوى 12% إلى 14% من إجمالي الإنفاق، ما يدفع الحكومة، وفقا لتقديراته، إلى مواجهة العجز عبر أدوات الدين الداخلي والخارجي بقيمة تتراوح بين 10 و15 تريليون دينار.
وحذر اللامي من ارتفاع نسبة الدين العام من 62% من الناتج المحلي في 2026 إلى نحو 67% في 2027، معتبرا أن ذلك يضع سقفا خطيرا أمام الاقتراض من دون إصلاحات هيكلية.
وخلص إلى أن موازنة 2027، رغم تبنيها منهجية البرامج والأداء، ستظل موازنة انتقالية، في ظل تضخم فاتورة الرواتب، وهشاشة الإيرادات غير النفطية، واستمرار ارتباط المالية العامة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

