شفقنا العراق-بعد 100 يوم على إطلاقها، تواجه حملة «صولة الفجر» لمكافحة الفساد في العراق اختباراً صعباً، مع حديث عن نفوذ سياسي وأمني يحول دون وصول الملاحقات إلى بعض مراكز القوى.
تواجه عملية “صولة الفجر” في العراق، عدة عوائق تهدد استمرارها، بفعل ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” المتجذرة من المحاصصة السياسية، والتي سمحت بتغلغل شبكات الفساد في عمق مفاصل الدولة.
وأوضحت المصادر أن المعركة تصطدم بـ”خطوط حمراء” تحمي قيادات الصف الأول من الملاحقة، يرافقها نفوذ واسع لفصائل مسلحة تتجاوز سطوتها المجال العسكري لتفرض سيطرتها على ملفات اقتصادية ضخمة، في مقدمتها تهريب النفط وغسل الأموال، مما يولد مخاوف جادة لدى القائمين على الحملة من التصفية الجسدية.
وتأتي هذه العراقيل في وقت تترقب فيه الأوساط العراقية صدور أحكام قضائية وشيكة بحق متورطين جدد، عقب مرور 100 يوم على تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة، وتعرية عشرات المسؤولين المتهمين بالفساد في تحرك هو الأوسع من نوعه منذ عقود.
ورأى خبراء، أن الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي، مستمرة في ملاحقة الفساد رغم “الخطوط الحمراء”، وذلك بعد أن أصدر القضاء العراقي، اليوم الأحد، حكماً بالسجن لمدة 7 سنوات بحق الرئيس الأسبق للجنة النزاهة البرلمانية، طلال الزوبعي، بتهم تتعلق بالفساد.
وبحسب بيان صادر عن هيئة النزاهة العراقية، فإن الحكم الصادر بحق النائب السابق وإلزامه بدفع نحو 70 مليار دينار عراقي ما يُعادل 52 مليون دولار أمريكي، جاء بعد إدانته بجريمة تضخم الأموال والكسب غير المشروع.
وأوضحت الهيئة أن “قيمة الكسب غير المشروع والتضخم في أموال الزوبعي بلغت قرابة 35 مليار دينار عراقي ما يعادل 26 مليون دولار أمريكي”.
وللمفارقة، فإن هذا الحكم صدر بحق شخصية كان يُفترض بها أن تتصدر جهود مكافحة الفساد في البرلمان العراقي؛ إذ كان الزوبعي من أبرز الوجوه السياسية، التي نادت بمراقبة أداء مؤسسات الدولة بين عامي 2014 و2018 بحكم مهامه البرلمانية آنذاك.
وتدرجت الإجراءات بحقه من رفع الحصانة عنه عام 2019، ومنعه من السفر مع الحجز على أمواله وممتلكاته، وصولاً إلى اعتقاله في شهر يوليو/تموز الماضي ضمن عملية “صولة الفجر”، التي أطلقها علي الزيدي في الأيام الأولى لتسلمه رئاسة الحكومة، وأسفرت عن اعتقال العشرات من المسؤولين الحاليين والسابقين.
تفاؤل رغم العقبات
وأكد الباحث السياسي والخبير الأمني سرمد البياتي، استمرار صدور القرارات القضائية المتعلقة بمكافحة الفساد، مبيناً أن الملف برمته بات في عهدة القضاء العراقي.
وأوضح أن “هيئة النزاهة تلقت ما يقارب 26 ألف إخبار وشكوى، حيث شهدت هذه التبليغات زيادة ملحوظة بعد القرار الذي منح المُخبر نسبة 5% من الأموال المستردة، وهو ما أسفر عن إلقاء القبض على العديد من المتورطين”.
وأشار البياتي، إلى أن التأخير الحاصل في حسم بعض الملفات لا يعدو كونه نتيجة لـ”التشعبات الكثيرة وكثرة الأسماء المتورطة في هذا الموضوع”، مشدداً على أن الأمر قضائي بحت، وسيتم في النهاية محاكمة المتهمين وصدور أوامر قضائية بحقهم.
وحول إجراءات التوقيف، بيّن البياتي أن “الكفالة قد تُمنح لمن تنطبق عليهم الشروط إذا لم يكن الجرم كبيراً، أما من لا تنطبق عليه الشروط فسيبقى في السجن حتى تتم محاكمته وينفذ الحكم بحقه حسب الأصول”.
ولم ينفِ المحلل السياسي وجود تحديات كبيرة، مقراً بوجود “خطوط حمراء كثيرة” في هذا الملف، مشيراً إلى أن الشعب العراقي بأكمله قد يكون على دراية بها.
واستدرك البياتي قائلاً: “لا أعتقد أن هنالك توقفاً في الإجراءات، فالأمر يعتمد بشكل أساسي على تعاون المواطن؛ فإذا قدم إخباراً دقيقاً جداً ومصحوباً بالأدلة، فإن الإجراءات ستستمر”.
وفيما يتعلق باحتمالية تدخل جهات مسلحة لعرقلة سير العدالة، استبعد البياتي ذلك، قائلاً: “لا أعتقد أن الفصائل المسلحة ستتدخل في هذا الموضوع لحماية بعض من لديهم ارتباطات مسلحة، لأن هذه الفصائل لديها الآن إشكالية كبيرة تتعلق بموضوع حصر السلاح وإدارته”.
وختم البياتي تصريحه بالتأكيد على ثقته باستمرارية عمل القضاء في هذا الملف، على الرغم من إقراره مجدداً بوجود تلك “الخطوط الحمراء”.
“حيتان وخطوط حمراء”
من جانبه، رأى الباحث في شؤون الجماعات المسلحة، رائد الحامد، أن الأحكام القضائية الأخيرة، ومنها الحكم الصادر بحق الزوبعي، تندرج في إطار “خطوات إجرائية” تحاول الحكومة من خلالها الاستجابة للمطالب الشعبية والدولية بمكافحة الفساد المالي.
وبيّن أن “استهداف شخصيات سياسية محددة تفتقر إلى أجنحة عسكرية تحميها، يعكس استمرار خضوع ملف مكافحة الفساد لمعادلة الغطاء السياسي والأمني؛ إذ يسهل ملاحقة شخصيات مثل الزوبعي، دون المساس بمراكز القوى المحمية بالفصائل المسلحة الحليفة لإيران، لضمان عدم المساس بشبكات تمويلها داخل مؤسسات الدولة”.
وأوضح الباحث الحامد، أن الأحكام الصادرة حتى الآن طالت درجات وظيفية متوسطة وتنفيذية، مثل المدراء العامين والمستشارين، وبعض الوجوه التي رُفع عنها الغطاء السياسي، مؤكداً أن “هذا المسار سيبقى محكوماً بسقف يمنع وصول الملاحقات إلى البنى الاقتصادية للكتل السياسية المتنفذة والفصائل الرئيسية”.
ولفت إلى أن مساحة المناورة المتاحة لحكومة علي الزيدي ضيقة للغاية، مشيراً إلى وجود ضغوط مزدوجة؛ حيث “تفرض واشنطن قيوداً صارمة على حركة الدولار والمنظومة المصرفية العراقية لمنع وصول الأموال للكيانات الخاضعة للعقوبات”.
وأضاف الباحث الحامد أنه “في المقابل، تعتمد الفصائل الموالية لطهران على اقتصاد موازٍ يغذي أنشطتها عبر منافذ التهريب والاستثمارات العقارية والمصرفية والخدمية، إلى جانب الاستحواذ على العقود الحكومية، مما يجعل أي استهداف لبنيتها الاقتصادية بمثابة تهديد وجودي لها”.
وذكر أن تجارب الساحة العراقية تثبت أن “الصدام المباشر مع هذه الشبكات يتجاوز قدرة الجهاز التنفيذي للحكومة على الحسم، لأن استهداف رؤوس الفساد الكبيرة قد يهدد التوافق السياسي الهش الذي تستند إليه الحكومة، وقد يثير ردود فعل أمنية ميدانية”.
ونوه الباحث الحامد إلى أن الحكومة لجأت بدلاً من ذلك إلى “إجراءات فنية محددة تتعلق بالجمارك وتشديد المعايير المصرفية لتضييق الخناق على شبكات التهريب تدريجياً وتجنب الصدام المباشر”.
الرؤوس المتنفذة
واستبعد انتقال العراق إلى نموذج الدولة المستقرة ذات السيادة بمجرد إطلاق حملات مكافحة فساد تستثني الرؤوس المتنفذة، معتبراً أن “النجاح الحقيقي سيبقى رهناً بقدرة الدولة على تحصين قطاعها المالي ومؤسساتها الدستورية من النفوذ الحزبي والإقليمي، واستعادة قرارها السيادي الكامل في إدارة السلطة والموارد”.
في المقابل، تدعم جهود الزيدي عوامل عدة، أهمها الغطاء السياسي والقضائي الواسع، والدعم الشعبي الملحوظ للحملة.
وعلى الصعيد الخارجي، يبرز الدعم الأمريكي الذي بدا جلياً من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الزيدي وحفاوة استقباله في البيت الأبيض، إلى جانب سياسات المبعوث الأمريكي توم براك الداعمة لحكومة بغداد الحالية لتقليص الهيمنة الإيرانية، التي طغت على الحكومات السابقة.
وداخلياً، يسهم توجه الحكومة نحو الأتمتة وتقليص التدخل البشري في إبرام العقود والتحويلات المالية في كشف المزيد من ملفات الفساد.
كما أن قرار تخصيص نسبة 5% من الأموال المستردة كمكافأة للمُبلغين، أدى إلى تعزيز التعاون مع هيئة النزاهة والجهات المختصة؛ إذ سُجلت حتى الآن نحو 26 ألف شكوى.
ويُتوقع أن تشجع هذه الحوافز المالية العاملين والموظفين لدى كبار الفاسدين على التعاون مع الحكومة للكشف عن خبايا تلك الملفات.

