شفقنا العراق- مع لجوء شبكات التهريب إلى مسارات بحرية أكثر تعقيداً، تواجه الأجهزة العراقية تحدياً يتجاوز ضبط المواد المخدرة إلى تعقب طرق النقل والتمويل والتوزيع، فيما تفرض الطبيعة العابرة للحدود للجريمة تعزيز التعاون الاستخباراتي والأمني مع دول المنطقة.
وأعلنت وزارة الداخلية العراقية، السبت الماضي، الإطاحة بشبكة دولية تضم ثلاثة متهمين، بينهم أجنبي الجنسية، وضبط 90 كيلوغراماً من مادة الحشيشة المخدرة، فضلاً عن زورقين استخدما في عملية التهريب، وذلك في عمق المياه الإقليمية العراقية.
وتكتسب العملية أهمية خاصة، وفق المعطيات التي أعلنتها الوزارة، لكونها نفذت في البحر وبالتنسيق بين أكثر من مؤسسة أمنية وعسكرية. وقال مدير إعلام المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية في وزارة الداخلية، العميد عباس البهادلي، إن العملية نفذت بإشراف محكمة التحقيق المركزية في الرصافة، وباشتراك المديرية العامة لشؤون المخدرات ومديرية الاستخبارات العسكرية وقيادة القوات البحرية.
وبحسب الرواية الرسمية، انطلقت المفارز من قاعدة أم قصر البحرية في مهمة استغرقت 16 ساعة ذهاباً وإياباً، بعد مراقبة ورصد استمرا أياماً عدة في المياه الإقليمية العراقية المحاذية لإحدى دول الجوار، قبل الوصول إلى الهدف المحدد والإطاحة بأفراد الشبكة وضبط المخدرات والزوارق.
90 كيلوغراماً في البحر
تكمن دلالة العملية، بحسب محللين، في طبيعة المسار الذي اتخذته الشبكة لنقل المخدرات، فوجود زورقين واستخدام المياه الإقليمية في عملية النقل يكشفان عن محاولة استغلال المسارات البحرية بعيداً من نقاط التفتيش والمعابر البرية التقليدية، وهي مسارات يمكن أن تمنح شبكات التهريب مرونة أكبر في الحركة، خصوصاً عندما تكون الشحنات مرتبطة بشبكات عابرة للحدود.
وبحسب متابعين، تشير العملية كذلك إلى أن نشاط مكافحة المخدرات في العراق بات يعتمد بصورة أكبر على العمل الاستخباراتي والرصد المسبق، بدلاً من انتظار وصول المواد المخدرة إلى المدن أو الأسواق المحلية.
16 طناً خلال 3 أعوام
العملية الأخيرة تأتي بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية أرقاماً كبيرة بشأن حجم المخدرات التي جرى منع دخولها إلى العراق.
ففي 17 يوليو (تموز) الماضي، قال العميد عباس البهادلي إن المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية تمكنت خلال ثلاثة أعوام من منع دخول أكثر من 16 طناً من المخدرات إلى البلاد.
ووفق البهادلي، فإن المديرية تمتلك 38 نقطة اتصال مع دول الجوار والمنطقة والدول الإقليمية، كذلك نفذت 67 عملية خارج الحدود العراقية، في مؤشر إلى أن عملها لم يعد محصوراً داخل الأراضي العراقية.
وتكشف هذه الأرقام عن محاولة لبناء شبكة تعاون إقليمي واستخباراتي لمواجهة تجارة المخدرات، خصوصاً أن طبيعة هذه الجريمة تجعل التعامل معها داخل الحدود العراقية وحدها غير كافٍ..
أحكام قضائية مشددة
عملية الضبط هذه سبقتها إجراءات قضائية، إذ أصدر القضاء العراقي حتى يوليو الماضي نحو 400 حكم بالإعدام و1500 حكم بالسجن المؤبد في قضايا مرتبطة بالمخدرات، مقارنة بسبعة أحكام بالإعدام و225 حكماً بالسجن المؤبد منذ عام 2022.
وتظهر هذه الأرقام تشدداً متزايداً في التعامل القضائي مع جرائم المخدرات، لكنها في الوقت ذاته تفتح نقاشاً أوسع حول فعالية الردع القانوني وحدوده.
فالعقوبات المشددة يمكن أن تؤدي دوراً في ردع بعض المتورطين، لكنها لا تكفي وحدها إذا بقيت الشبكات قادرة على تجنيد ناقلين جدد، أو إعادة تنظيم عملياتها بعد توقيف أفراد منها.
من منظور أمني، رأى الخبير الأمني محمد اللامي أن النجاح العملية يقاس بمدى القدرة على تفكيك الشبكة التي تنقلها وتمولها وتوزعها.
وأشار إلى أن العمل الاستخباراتي أصبح عاملاً مركزياً في مكافحة المخدرات. فالرصد الذي استمر أياماً عدة، ثم تحديد الهدف وإرسال قوة بحرية لمسافة تستغرق ساعات، يحتاج إلى معلومات دقيقة وتنسيق بين جهات متعددة.
لكن التحدي المقبل سيكون في تحويل هذه العمليات من نجاحات منفردة إلى منظومة مستمرة قادرة على رسم خريطة للشبكات ومساراتها وأموالها، وتصبح المراقبة البحرية أكثر أهمية في بلد يمتلك منفذاً بحرياً محدوداً نسبياً لكنه يقع في منطقة ترتبط بشبكات نقل وتجارية إقليمية واسعة.
وتابع أن تفكيك شبكة واحدة قد يقود إلى معلومات عن شبكات أخرى، لذلك فإن استثمار التحقيقات اللاحقة للقبض على المتهمين لا يقل أهمية عن عملية الضبط نفسها.
بدوره، يرى الخبير في مكافحة الجريمة المنظمة علي حيدر، أنه يمكن النظر إلى ملف المخدرات في العراق على أنه جزء من اقتصاد غير مشروع يتجاوز بيع المواد المخدرة ذاتها.
وأضاف، كل شحنة تحتاج إلى تمويل ونقل وتخزين وتوزيع، وقد ترتبط بعلاقات مالية مع شبكات أخرى تنشط في جرائم مختلفة. لهذا فإن مكافحة المخدرات لا ينبغي أن تتوقف عند مصادرة المواد أو توقيف الأشخاص الموجودين في الميدان.
ورأى حيدر أنه إذا تمكنت السلطات من معرفة من دفع ثمن الشحنة ومن استلم الأموال ومن وفر وسيلة النقل ومن يتولى توزيع المواد بعد دخولها البلاد، فإنها تقترب من تفكيك البنية المالية للشبكة، كذلك التعاون الدولي يصبح ضرورياً في هذه المرحلة، لأن الأموال والشحنات والأشخاص قد يتحركون بين أكثر من دولة، بينما لا تستطيع الأجهزة العراقية الوصول إلى كامل هذه السلسلة بمفردها.

