شفقنا العراق-يتجه ملف العملة العراقية إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بعد تصريحات حكومية بشأن إمكانية حذف الأصفار أو تغيير العملة، وسط غموض بشأن موعد التنفيذ والجهة المخولة بإقرار الخطوة وآليات تطبيقها.
كشف وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند، أمس السبت، عن قرار حكومي يقضي بحذف الأصفار من العملة العراقية أو تغييرها، لمواجهة مشكلة الأموال المنهوبة من الدولة، والتي تُقدَّر بـ8 تريليونات دينار عراقي، وذلك حتى تكون بلا فائدة، لكن من دون تفاصيل أكثر، ما فتح سلسلة من التساؤلات حول هذا القرار، أو لحظة تنفيذه، والجدوى منه.
ويبدو أن الحكومة العراقية، عبر البنك المركزي، تفكر في حذف ثلاثة أصفار من الدينار، وأن العملية ستعني إعادة تقييم القيمة الاسمية للعملة، بحيث يصبح 1000 دينار قديم يساوي ديناراً واحداً جديداً، مع تحويل الرواتب والأسعار والأرصدة والالتزامات بالنسبة نفسها، في إطار تبسيط التعاملات النقدية والمحاسبية، وتقليل حجم الأرقام في الموازنات والحسابات والفواتير والمعاملات المصرفية، فضلاً عن تسهيل تداول مبالغ كبيرة، وتقليل كلفة طباعة ونقل وخزن كميات ضخمة من الأوراق النقدية.
لكن مراقبين يجدون أن هذا الإجراء ليس أكثر من مبدأ إداري وتنظيمي، وليس إصلاحاً اقتصادياً بحد ذاته، كما أن المواطن لن يصبح أغنى لمجرد حذف الأصفار، وأن قيمة الدينار الحقيقية أمام الدولار لن تتغير تلقائياً.
ووفق مستشار سابق كان قد عمل مع الحكومة السابقة التي كان يرأسها محمد شياع السوداني، فإن “العملية لن تجدي نفعاً إذا لم يتوفر الاستقرار النقدي والاقتصادي، بل حتى السياسي، لأن حذف الأصفار من دون السيطرة على التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وإصلاح المالية العامة والقطاع المصرفي، قد يحوّل العملية إلى تغيير شكلي مكلف من دون أثر حقيقي على الاقتصاد”.
وبين أن “استبدال العملة يتطلب كلفة كبيرة لطباعة الأوراق الجديدة وتحديث الأنظمة المحاسبية والمصرفية وأجهزة الدفع، أما استبدال العملة بالكامل فهو أوسع من مجرد حذف الأصفار، وقد يكون هدفه تحديث الفئات والتصاميم، ورفع مستويات الحماية من التزوير، أو إعادة تنظيم هيكل النقد المتداول”.
عملية مكافحة الفساد
وأكمل المستشار، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن “البنك المركزي العراقي لديه صلاحية تنظيم عملية سحب العملة واستبدالها، وتحديد مدة ومواقع الاستبدال، لكن السؤال الذي يُطرح هو: هل يسيطر تغيير العملة على عملية مكافحة الفساد؟ والجواب، بصراحة، لا يعني شيئاً، فحتى تلك الأموال التي سُرقت ستتحول بلا قيمة، لكن هذا لا ينفي أنها أثّرت في اقتصاد العراق، لأنها سُرقت من العراقيين ومن الدولة العراقية.
كما أن هذه القرارات، في حقيقتها، لن تعالج العجز المالي أو ضعف الإنتاج أو البطالة، لأن استقرار العملة غير مرتبط بالأصفار أو شكل العملة، بل باستقرار الاقتصاد وتنوّعه”.
مع العلم أن الحكومة العراقية تعاني نقصاً في السيولة المالية منذ بداية العام الجاري، وعجزاً مالياً يعرقل تأمين رواتب الموظفين، وهو ما أكدته وزارة المالية بصرفها رواتب عدد من الوزارات بسبب نقص السيولة، وتأجيل الصرف إلى وزارات أخرى.
كما أقرّ المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، الشهر الماضي، بوجود أزمة مالية، إذ قال في تصريح متلفز إن “الفجوة كبيرة بين إيرادات الدولة في الوقت الحالي ومتطلبات توفير الرواتب الشهرية وغيرها من الالتزامات”، مبيّناً أن “الحلول التي تعمل عليها الحكومة العراقية ربما تجعل انتظام توزيع الرواتب ليس كما كان سابقاً، وسيكون هناك تأخير حتى تكتمل الرواتب وتُوزَّع”.
من جهته، أشار الباحث الاقتصادي أحمد عبد الله إلى أن “الحكومة تسعى إلى الخروج من أزمة نقص السيولة المالية بأي طريقة كانت، سواء عبر حذف الأصفار أو استبدال العملة أو طباعة كتلة نقدية جديدة، وأن هذه الإجراءات تحتاج إلى دراسة مستفيضة، لأن تغيير العملة لا يؤدي بالضرورة إلى رفع قيمتها، بل قد يؤدي أحياناً إلى العكس، لذلك على الحكومة أن تجتهد في رفع قيمة العملة الحالية”،
مستكملاً حديثه بأن “هذا القرار لا يحظى لغاية الآن بإجماع سياسي أو شعبي، بسبب احتمالية استغلال بعض الثغرات من قبل شبكات الفساد للتحايل قبل بدء الاستبدال أو خلال عملية الاستبدال نفسها، ناهيك عن كلفة استبدال العملة وتعقيداتها”.

