شفقنا العراق- عادت أزمة الأهوار إلى صدارة المشهد البيئي بعد تسجيل موجة جديدة من نفوق الأسماك، وسط دعوات لاتخاذ إجراءات عاجلة للحفاظ على الثروة السمكية والموارد الطبيعية.
أكد الناشط البيئي من محافظة ميسان، مرتضى الجنوبي، أن ظاهرة نفوق الأسماك في أهوار وأنهار المحافظة تتكرر سنويًا، مرجعًا أسبابها إلى قطع الإطلاقات المائية باتجاه الأهوار والأنهار، الأمر الذي يؤدي إلى انحسار الأسماك في مجارٍ مائية محدودة وانخفاض نسبة الأوكسجين المذاب، ما يتسبب بنفوقها.
وقال الجنوبي إن ظاهرة النفوق تحدث كل عام، موضحًا أن الأهوار تنتعش بعد مواسم السيول، وتعود إليها كميات كبيرة من الأسماك، لكن مع حلول فصل الصيف وقطع الإطلاقات المائية أو المغذيات المتجهة إلى الأهوار والأنهار، تنحصر الأسماك داخل الأنهار، ما يؤدي إلى اكتظاظها ونقص الأوكسجين المذاب، وبذلك حدوث حالات نفوق واسعة.
وذكر أن هذه الظاهرة تتكرر سنويًا، متهماً وزارة الموارد المائية والجهات الحكومية بإعادة الأخطاء نفسها كل عام، بواسطة قطع الحصص المائية، مبينًا أن استمرار هذا الإجراء يؤدي إلى نفوق الأسماك بشكل متكرر نتيجة نقص الأوكسجين المذاب الناجم عن توقف تغذية الأنهار والأهوار بالمياه.
وأشار الجنوبي إلى أن فريقه يرصد ويوثق هذه الظاهرة بشكل سنوي، سواء في الأهوار الشرقية المتمثلة بهور الحويزة أو الأهوار الوسطى، ومنها هور العودة والبطاط وقناة العمشاني وغيرها، لافتًا إلى أن فريقًا مختصًا بقياس مستويات الأوكسجين في بيئة ميسان نفذ قبل عامين عمليات قياس ميدانية، وأن نتائجها موثقة ومنشورة.
وأوضح أن مشاهد نفوق الأسماك تتكرر باستمرار في الأهوار الشرقية والوسطى بمحافظة ميسان، مؤكدًا أن السبب الرئيس يتمثل في قطع الإطلاقات المائية، ما يؤدي إلى انحسار المياه في مساحات محدودة، ثم حدوث نفوق واسع للأسماك.
خسارة الثروة السمكية
وأستطرد أن حجم الضرر البيئي الناجم عن هذه الظاهرة كبير جدًا، موضحًا أنه لا يقتصر على خسارة الثروة السمكية، بل يشمل الكائنات الحية الأخرى والتنوع الأحيائي داخل الأهوار، مشيرًا إلى أن الأسماك لم تكن وحدها التي نفقت، وإنما تضررت أيضًا كائنات أخرى تعيش في الأهوار والأنهار نتيجة الجفاف والتجفيف، ومنها “الرفوش”.
وبيّن الجنوبي أن انقطاع الإطلاقات المائية يؤدي إلى انعدام الحياة داخل الأهوار، وانهيار التنوع الأحيائي فيها، محملًا الجهات الحكومية، ومنها وزارة البيئة ووزارة الموارد المائية، مسؤولية إدارة ملف الإطلاقات المائية والرقابة عليه.
وأردف أن المطالبة بالاستحقاق المائي تتكرر سنويًا، مؤكدًا أن هذا الاستحقاق يمثل حقًا وليس منّة من أحد، لافتًا إلى أن ناشطين بيئيين نشروا قبل شهر مقاطع فيديو وثقت انحسار الأسماك في الأنهار، وحذروا من وقوع كارثة جديدة ونفوق واسع للأسماك بسبب استمرار قطع الإطلاقات المائية.
وأشار إلى أن تلك التحذيرات نُشرت عبر الحسابات الشخصية وحسابات المهتمين بالشأن البيئي، مؤكداً أنهم توقعوا حدوث ما وصفه بـ”الإبادة” السنوية للثروة السمكية، ودعوا إلى استمرار الإطلاقات المائية لتجنب الكارثة.
ولفت الجنوبي إلى أن ما يحدث يثير الاستغراب، لأن البلاد تشهد هذا العام وفرة مائية، مبينًا أن وزارة الموارد المائية أعلنت قبل أيام ارتفاع الخزين المائي من خمسة مليارات متر مكعب إلى 34 مليار متر مكعب، ومع ذلك ما تزال الأهوار، بحسب قوله، تعاني من التجفيف سواء في سنوات الشح المائي أو في سنوات الوفرة، مؤكداً أن الأزمة تتكرر سنويًا في الحالتين.
مدمر بشكل كامل
وأكد أن الواقع البيئي في محافظة ميسان “مدمر بشكل كامل”، مبينًا أن المحافظة عُرفت تاريخيًا بأهوارها الشرقية والوسطى، إلا أنها تعرضت للتدمير خلال حقب مختلفة، مضيفًا أن الأنظمة السابقة والحالية لم تمنح هذا النظام البيئي الطبيعي الأهمية التي يستحقها، رغم ما تمثله الأهوار من أهمية اقتصادية وبيئية وثروة سمكية وحيوانية وتنوع أحيائي.
وتابع أن التدهور البيئي في ميسان يتفاقم عامًا بعد آخر، سواء على مستوى الأهوار أو البيئة الطبيعية عمومًا، لافتًا إلى أن التحديات لا تقتصر على عمليات التجفيف، بل تشمل أيضًا، بحسب قوله، انتهاكات نفطية من قبل الشركات العاملة في المحافظة، التي تضم ستة حقول نفطية منتجة وستة أخرى في طور الاستكشاف.
وختم الجنوبي حديثه بالتأكيد على أن الناشطين البيئيين يواصلون توثيق التدهور البيئي بواسطة الصور والتوثيقات الميدانية والتظاهرات والوقفات الاحتجاجية والإعلام، مشيراً إلى أن الجهود المتاحة تُبذل باستمرار، إلا أن الجهات الحكومية، بحسب تعبيره، لا تعطي هذا الملف الأهمية المطلوبة، الأمر الذي يؤدي إلى تكرار كارثة نفوق الثروة السمكية عامًا بعد آخر.

