شفقنا العراق- البنك المركزي يفتح صفحة جديدة في إدارة سوق الصرف عبر السماح للمودعين باستلام أموالهم بالدولار، في سياسة يصفها خبراء بأنها أكثر عدالة للمودعين وأكثر قدرة على إعادة السيولة الأجنبية إلى المصارف، بما يدعم الاستقرار النقدي ويحد من نشاط السوق السوداء.
في إطار مساعي الحكومة لتعزيز الاستقرار النقدي وإصلاح القطاع المالي، اتخذ البنك المركزي العراقي، خطوة جديدة تهدف إلى إعادة تنظيم تداول الدولار داخل القنوات المصرفية الرسمية، عبر السماح للمصارف بصرف الودائع والتحويلات الواردة بالدولار الأمريكي نقداً، في تحول يظهر مراجعة للسياسات السابقة التي اعتمدت على تسليم الحوالات الخارجية بالدينار العراقي.
وكانت الحكومة السابقة قد تبنت بواسطة البنك المركزي، سياسة تقضي بتحويل الحوالات الخارجية الواردة بالدولار إلى الدينار العراقي، في محاولة للحد من عمليات تبييض الأموال وتهريب العملة الصعبة، فضلاً عن تعزيز مكانة الدينار وزيادة الثقة به، والحفاظ على احتياطيات الدولار داخل النظام المصرفي الرسمي بما يسهم في إحكام السيطرة على الكتلة النقدية.
ورغم أن تلك الإجراءات حاولت دعم الاستقرار المالي، إلا أنها واجهت تحديات على أرض الواقع، إذ أسهمت في تنشيط السوق الموازية للعملة نتيجة زيادة الطلب على الدولار النقدي خارج القنوات الرسمية، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي المحدد من البنك المركزي والبالغ 132،000 ألف دينار لكل 100 دولار، وبين أسعار السوق الموازية التي تجاوزت في فترات مختلفة 157،000 ألف دينار لكل 100 دولار، ما أضعف فاعلية السياسة النقدية في ضبط حركة السوق.
وفي محاولة لمعالجة هذه الإشكاليات، أصدر البنك المركزي العراقي، توجيهات جديدة إلى جميع المصارف تقضي بالسماح بصرف الودائع والتحويلات الواردة بالدولار الأمريكي نقداً، بما يتيح للمصارف تلبية الاحتياجات المشروعة لزبائنها بالعملة الأجنبية، إلى جانب السماح بفتح حسابات مصرفية بالعملات الأجنبية المقبولة، مع إمكانية سحب الأموال المودعة أو المحولة بالدولار وفق الضوابط والسياسات المعتمدة لدى كل مصرف.
تدفق العملة الأجنبية
كما تضمنت التعليمات آلية تضمن استمرار تدفق العملة الأجنبية عبر النظام المصرفي، إذ سيتولى البنك المركزي تلبية طلبات المصارف الخاصة بالسحوبات النقدية للحوالات الواردة بالدولار، شريطة إيداع قيم تلك الحوالات في حسابات المصارف لدى مراسليها في الخارج، وتشمل هذه الآلية العقود الحكومية الممولة من المنح أو القروض الخارجية، والاتفاقيات الموقعة مع الحكومة الاتحادية، فضلاً عن 40 بالمئة من الحوالات الناتجة عن صادرات المصارف العراقية إلى الخارج.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي، إن القرار يمثل تحولاً مهماً في إدارة سوق الصرف، إذ من المتوقع أن يسهم في زيادة المعروض من الدولار داخل المصارف، وتقليل الاعتماد على السوق الموازية، ما قد ينعكس تدريجياً على انخفاض أسعار الدولار خارج الإطار الرسمي وتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي.
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، أن التوجيه الأخير للبنك المركزي الخاص بتسليم الودائع والحوالات بالدولار إلى أصحابها يمثل خطوة مهمة لإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، بعد مرحلة شهدت تراجعاً في إقبال المواطنين والشركات على إيداع العملة الأجنبية داخل المصارف.
وقال علي : إن “السياسات السابقة المتعلقة بآلية التعامل مع الدولار أسهمت في خلق شحة بالعملة الأجنبية داخل السوق، ما دفع العديد من الشركات التجارية إلى اللجوء للسوق الموازية لتلبية احتياجاتها، لكون معظم تعاملاتها التجارية تعتمد على الدولار”.
وأضاف، أن “تلك الإجراءات أثرت أيضاً على ثقة المودعين بالمصارف، إذ فضل كثير منهم الاحتفاظ بالدولار خارج المصرف أو التعامل مع شركات الصرافة، خشية عدم استلام ودائعهم بالعملة نفسها، وهو ما انعكس سلباً على حجم الودائع بالدولار داخل البنوك”.
وأشار إلى أن “قرار البنك المركزي بالسماح للمودعين باستلام أموالهم بالدولار يعد سياسة مصرفية عادلة، لأن من يودع أمواله بالدولار من حقه استلامها بالعملة ذاتها، خاصة في ظل وجود فارق بين السعر الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية، ما كان يسبب خسائر للمودعين عند الاستلام بالدينار”.
وأوضح، أن “هذه الخطوة من شأنها استعادة ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي وتشجيعهم على إعادة إيداع الدولار في المصارف، بعد أن فقد البنك المركزي شريحة واسعة من المودعين خلال المدّة الماضية، متوقعاً، أن تسهم هذه السياسة في تعزيز الاستقرار النقدي وتقليص الاعتماد على السوق الموازية تدريجياً”.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن حزمة إصلاحات مصرفية يسعى البنك المركزي بواسطتها إلى استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتشجيع التعامل عبر المؤسسات المالية الرسمية، بدلاً من اللجوء إلى السوق السوداء، بما يعزز استقرار سعر الصرف ويدعم قيمة الدينار العراقي خلال المرحلة المقبلة.

