شفقنا العراق-يضع الانسحاب المرتقب الدولة العراقية أمام اختبار يتجاوز الملف العسكري، إذ سيكون عليها ضبط الفصائل المسلحة وحماية حدودها وأجوائها والحفاظ على سيادتها وسط بيئة إقليمية متنافسة.
أشار تقرير لموقع كاليبر Caliber الإخباري إلى أن الانسحاب الأميركي من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول لا يعني تخلي واشنطن عن العراق والشرق الأوسط بقدر ما هو تغيير في الاستراتيجية الأميركية من التواجد العسكري الدائم إلى الردع عن بعد وتقليل المخاطر على قواتها، في وقت سيكون أمام بغداد تحديات عقب الانسحاب بفرض سيادتها وإدارة أمنها، وكذلك السيطرة على الفصائل المسلحة ومنع عودة تهديدات داعش وقدرتها على حماية الأجواء والحدود ومنع تحويل العراق إلى ساحة صراع إقليمي.
وتعتزم الولايات المتحدة إكمال سحب قواتها من العراق وفقًا للاتفاقات التي توصلت إليها مع بغداد بشأن إنهاء مهمة التحالف الدولي، وقد تم تحديد الموعد النهائي لذلك في 30 سبتمبر/أيلول.
وسيضع هذا حدًا لأكثر من عقدين من التواجد العسكري الأمريكي في البلاد، الذي تطور من عملية عسكرية واسعة النطاق إلى مهمة لمكافحة تنظيم داعش وتدريب قوات الأمن العراقية.
ويرى التقرير أن الانسحاب الأمريكي الحالي من غير المرجح أن يُنظر إليه على أنه مجرد إنهاء رسمي لمهمة مكافحة داعش. فهو يظهر إعادة هيكلة أوسع للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث تتجه الولايات المتحدة تدريجيًا بعيدًا عن الحفاظ على وجود عسكري دائم في الدول التي تتعرض فيها قواتها لهجمات متكررة، وتسعى إلى تحويل تركيزها من الانتشار العسكري المباشر إلى أشكال أكثر مرونة من الردع.
أما بالنسبة للعراق، فقد تكون تداعيات هذا القرار أكبر بكثير مما تبدو عليه في البداية. فانسحاب الولايات المتحدة يقلص النفوذ الأمريكي، وفي الوقت نفسه يترك بغداد تواجه بمفردها مجموعة واسعة من التحديات.
واشنطن تغير قواعد اللعبة
دخلت القوات الأمريكية العراق عام 2003 في إطار السياسة التي تبنتها واشنطن عقب الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول 2001، والتي استهدفت مواقع بارزة داخل الولايات المتحدة وأسفرت عن مقتل 2,977 شخصًا.
وغادرت القوات الأمريكية الأراضي العراقية في ديسمبر/كانون الأول 2011، لكنها عادت عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش. وبهذا المعنى، تكون المهمة العسكرية الأمريكية قد أكملت دورتها الكاملة، والآن تقترب هذه الحقبة أيضًا من نهايتها.
ويُعد تغير البيئة الأمنية المحيطة بإيران أحد أهم العوامل التي دفعت إلى اتخاذ قرار الانسحاب. فمع تصاعد التوترات بشكل حاد بين واشنطن وطهران، كثفت الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران في العراق هجماتها على المواقع العسكرية الأمريكية، ولا سيما في محيط بغداد وإقليم كردستان.
وبالنسبة لواشنطن، فإن الإبقاء على وحدات عسكرية صغيرة داخل العراق ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ تبقى القوات الأمريكية عرضة لهجمات الجماعات المرتبطة بإيران. وأي رد أمريكي على هذه الهجمات قد يؤدي إلى تصعيد أوسع، وربما يجر الولايات المتحدة إلى صراع إقليمي جديد.
ويشير التقرير إلى أن الانسحاب لا ينبغي فهمه على أنه تراجع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بل باعتباره تغييرًا في الطريقة التي تسعى بها واشنطن إلى حماية تلك المصالح. فبدلًا من الاعتماد على وجود عسكري دائم، يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو نهج أكثر مرونة في الردع الإقليمي.
وتعمل الولايات المتحدة على تقليص وجودها في المناطق التي أصبحت فيها قواتها أكثر عرضة للخطر، مع الاحتفاظ بقدرتها على استخدام القوة العسكرية من مسافات أكثر أمانًا. وفي الوقت نفسه، تتيح هذه الخطوة لواشنطن تحرير المزيد من الموارد لتوجيهها نحو أولويات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها المنافسة طويلة الأمد مع الصين.
وبعبارة أخرى، فإن الولايات المتحدة تغادر العراق، لكن هذا لا يعني أنها تغادر الشرق الأوسط.
اختبار لبغداد
بالنسبة للعراق، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. ففي السنوات الأخيرة، سعت بغداد إلى تعزيز سيطرة الدولة على المجموعات المسلحة المنتشرة في البلاد.
ويشير التقرير إلى أن بغداد ستواجه أيضًا تحديات أخرى عديدة، من بينها العمل على عدم عودة تهديدات تنظيم داعش، وكذلك حماية المجال الجوي العراقي، وضمان عدم تحول الأراضي العراقية مجددًا إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية المتنافسة.
وفي الوقت نفسه، يتعين على العراق مواصلة تحقيق التوازن في علاقاته مع عدة مراكز قوى متنافسة. ولذلك فإن رحيل القوات الأمريكية لن يكون مجرد تغيير في الترتيبات الأمنية، بل سيكون اختبارًا لقدرة الدولة العراقية على ممارسة سيادتها بصورة فعالة.
وفي المقابل، يرى التقرير أن إيران ستبدو أحد أبرز المستفيدين من الوضع الجديد. فخفض البنية التحتية العسكرية الأمريكية قرب حدودها سيخفف الضغط المباشر على طهران، كما سيمنح الجماعات المتحالفة معها في العراق مساحة أكبر للتحرك. غير أن إيران ليست اللاعب الإقليمي الوحيد الذي قد يستفيد من هذا التحول.
فالانسحاب الأمريكي يحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، التي تنظر إلى شمال العراق باعتباره منطقة رئيسية في حربها ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) وبنيته التحتية. وقد يمنح تراجع الوجود الأمريكي أنقرة حرية أكبر لتنفيذ عملياتها العسكرية هناك بشكل مستقل.
ما بعد الانسحاب الأميركي
قد لا يمثل 30 سبتمبر/أيلول نهاية لمهمة عسكرية أميركية أخرى فحسب، بل قد يكون أيضًا بداية لتحول أوسع في ميزان القوى داخل المنطقة.
فبالنسبة لواشنطن، يجسد الانسحاب انتقالًا من سياسة الوجود العسكري الدائم إلى نهج أكثر مرونة في الردع الإقليمي. أما بالنسبة لإيران، فإنه يعني تراجع الضغوط العسكرية الأمريكية المباشرة على حدودها. وقد تحصل تركيا على مساحة أكبر لمتابعة مصالحها الأمنية في شمال العراق.
وفي المقابل، يدخل العراق مرحلة من عدم اليقين. فبعد أكثر من عشرين عامًا من الانخراط العسكري الأمريكي، سيكون على السلطات العراقية أن تثبت قدرتها على الحفاظ على السيطرة على أراضيها وعلى الجماعات المسلحة، دون السماح بتحول البلاد إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية المتنافسة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الأهم ليس من سيحل محل الولايات المتحدة، بل ما إذا كان العراق نفسه سيكون قادرًا على ملء الفراغ الذي ستتركه القوات الأمريكية المنسحبة، وفرض سيطرة أكبر على شؤونه الداخلية وسيادته الوطنية.

