شفقنا العراق- تتصاعد المخاوف بشأن قدرة الحكومة على تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين، بعد إقرار رسمي بوجود عجز وسيولة محدودة، وسط تراجع الإيرادات النفطية واستمرار الضغوط على المالية العامة.
أقرّ مسؤولون في الحكومة العراقية بوجود عجز مالي خطير يعرقل تأمين رواتب الموظفين للشهر الحالي (يوليو/تموز) والأشهر اللاحقة، في تطور يعكس حجم الضغوط المالية التي تواجهها الدولة وسط تراجع الإيرادات النفطية واستمرار تضخم الإنفاق الحكومي، ما يضع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام أحد أخطر التحديات الاقتصادية حساسيةً منذ تشكيلها، وسط غياب الحلول.
وكشف وزير المالية العراقي فالح الساري خلال مناقشات مع النائب حيدر المطيري، أن وزارته “صرفت خلال الأيام الماضية نحو 3 تريليونات دينار عراقي لعدد من الوزارات، فيما لا تتوفر حالياً سيولة إلا بنحو تريليون ونصف التريليون دينار، وأن الوزارة تعمل على زيادتها إلى تريليون و650 مليار دينار، تمهيداً لإطلاق رواتب المتقاعدين”.
وأضاف، أن “الوزارة ستواصل العمل على تأمين الموارد المالية اللازمة لصرف رواتب بقية الوزارات والمؤسسات، في ظل عجز يُقدَّر بنحو 3 تريليونات و300 مليار دينار، إذ يبلغ إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب نحو 7 تريليونات و800 مليار دينار”.
وتتزامن هذه التطورات مع إقرار المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي بوجود أزمة مالية.
وقال العبودي في تصريح متلفز أمس الخميس، إن “الفجوة كبيرة بين إيرادات الدولة في الوقت الحالي ومتطلبات توفير الرواتب الشهرية وغيرها من الالتزامات”، مبيناً أن “الحلول التي تعمل عليها الحكومة العراقية ربما تجعل انتظام توزيع الرواتب ليس كما كان سابقاً، وسيكون هناك تأخير حتى تكتمل الرواتب وتُوزَّع”.
الحلول الداخلية
وشدد على أن “الحكومة تمر بأزمة مالية، وهناك بعض الحلول الداخلية لتفادي التأخر في صرف الرواتب، إذ تسعى الحكومة للاقتراض الداخلي لتأمينها”، مشيراً إلى أن الأزمة في المنطقة أثرت بشكل كبير على الاقتصاد العراقي. وكان وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي قد أعلن يوم أمس أن العراق عاجز عن توفير الرواتب،
مؤكداً أن الحكومة باتت تقضي معظم وقتها في البحث عن آليات لتأمين الرواتب، وأن الحلول المتاحة صعبة للغاية في ظل الظروف المالية الحالية.
من جهته، قال مصدر في وزارة المالية العراقية، طالباً عدم الكشف عن هويته، إن “الوزارة تمر بأصعب أزمة سيولة منذ عام 2003”.
ثم بين أن “الدوائر المالية تواجه تحدياً حقيقياً في توفير رواتب معظم الوزارات، في ظل غياب الموارد النقدية الكافية وعدم وجود بدائل في الوقت الحالي”.
وأكد أن “الوزارة تنتظر إجراءات حكومية عاجلة لتوفير السيولة النقدية، سواء عبر الاقتراض الداخلي أو أدوات تمويل أخرى، لأن الوضع الحالي لا يسمح باستمرار صرف الرواتب وفق الآليات السابقة”.
ويُظهر ذلك حجم الأزمة المالية التي يعيشها العراق، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية لتمويل نفقاته العامة، إذ تشكل عائدات النفط أكثر من 80% من موارد الدولة، مع تراجع مبيعات النفط إلى أدنى مستوياتها نتيجة تداعيات الحرب الإقليمية والاضطرابات وإغلاق مضيق هرمز.
في موازاة ذلك، بدأت الدعوات السياسية تتصاعد لاتخاذ إجراءات استثنائية لتقليل الضغوط على الموازنة، إذ طالب النائب حيدر المطيري بتخفيض رواتب الرئاسات الثلاث، بدءاً بأعضاء مجلس النواب، باعتبار ذلك خطوة لمعالجة جزء من العجز المالي وتعزيز العدالة في توزيع أعباء الأزمة، مؤكداً في تصريحات صحافية أن “ذلك أصبح ضرورة لتحقيق العدالة ومعالجة جزء من العجز المالي”.
وتمثل الأزمة الحالية نتيجة طبيعية لتراكمات امتدت لسنوات طويلة، بسبب تضخم القطاع العام وارتفاع فاتورة الرواتب، إلى جانب استمرار الفساد المالي والإداري الذي استنزف موارد الدولة وأضعف قدرتها على بناء احتياطات مالية قادرة على مواجهة الأزمات، فضلاً عن غياب برامج تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

