خاص شفقنا-لا أدري لماذا تقفز الى ذهني، وانا ارصد الجرائم الكبرى التي ارتكبها النظام الصدامي البائد بحق العراق والعراقيين، الجريمة البشعة التي ارتكبها هذا النظام بحق تربة ومياه وسماء العراق، وكيف حول هذا البلد الذي كان يطلق عليه يوما بـ “ارض السواد” لشدة خضرته وكثرة بساتينه، الى ارض جرداء جدباء تعصف فيها العواصف الرملية وتفتك باهلها الامراض من شدة تلوث ترابها ومياهها، فكانت جريمة رغم مرور أكثر من عشرين عاما على ارتكابها الا ان مفاعيلها مازالت باقية ومتواصلة تحصد المزيد من الضحايا.
العراق الذي قيل ان اسمه جاء من جمع عرق، والعروق لكثرة الانهار وتشعباتها فيه، هذا العراق تعرض لجريمة كبرى على يد النظام الصدامي، فإذا بالتصحر يزحف حتى الى مدنه، بسبب مغامراته وحروبه العبثية التي بدأها مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، ولم تنته الا بسقوطه في عام 2003، وأفضى كل ذلك الى دمار هائل في مكونات البيئة الطبيعية.
العديد من العوامل ساهمت في تشديد ظاهرة التلوث البيئي في العراق، والتي اوجدتها السياسة الرعناء للدكتاتور المقبور صدام حسين، ومن بين هذه العوامل السدود (23 سدا) التي اقامتها تركيا على نهري دجلة والفرات او ما يسمى بمشروع الكاب جنوب شرق الاناضول الذي ادى الى انخفاض تصاريف المياه الى حوالي 80% وكذلك نوعية تلك المياه وملائمتها لأغراض الري، حيث تحتوي على كميات كبيرة من الاملاح اضافة الى ملوثات عضوية ومعدنية اخرى نتيجة تصريف فضلات المعامل الى النهرين مباشرة. والاهمال الشديد لمشاريع استصلاح الاراضي وتدهور المستصلح منها والتدمير الهائل الذي لحق بمنظومات الري والصرف، يضاف الى ذلك كمية التبخر الكبيرة الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة في العراق وقلة كميات الامطار الساقطة.
السبب الاخر لتلوث مياه دجلة والفرات هو تصريف الفضلات السائلة في مجرى هذين النهرين، ففي عهد النظام البائد كانت تقوم معامل التصنيع العسكري بصرف فضلاتها مباشرة الى مجرى النهرين وكذلك بقية معامل الدولة والمصانع الاهلية دون معاملتها كيمياوياً، نتيجة لانعدام رقابة الدولة وعدم مبالاتها بالنتائج الكارثية لهكذا اهمال.
احصائيات خاصة للتلوث البيئي العالمي والتي اصدرتها الامم المتحدة كشفت في تقرير خاص عن مجمل الملوثات المهددة للطبيعة والنظام الصحي للإنسان والتي تصدر العراق فيها الرابع عالمياً، الذي اعتبره مراقبون في انحدار سنوي لكل عام.
وحول البيئة والنظام الجوي في العراق فانه تتساقط على العراق سنويا 100 ألف طن من الغبار وبمعدل 20 غرام غبار على كل متر مربع. وفي مناطق غربي وجنوبي العراق تكون الكمية المتساقطة من الغبار 50-90 غراما على المتر المربع الواحد.
اما النظام المائي وتلوثه في العراق فان الاحصائيات تؤكد انه “يرمى يوميا نحو مليون و200 ألف متر مكعب من المياه الملوثة في نهر دجلة، 70% من هذه المياه بلا معالجة وهذا ما أدى الى وفاة 600 ألف مواطن بمرض السرطان.
ان النظام البيئي في العراق في انحدار وانهيار متواصل منذ عدة سنوات، حيث انهكته الحروب والدمار والعمليات العسكرية المتواصلة اضافة الى المخلفات الصناعية والطبيعية والزراعية التي ترمى في النظام المائي بالأنهر والمجاري، ورمي المخلفات الصناعية والمنزلية والثقيلة في غير اماكنها، والجو البيئي لحالة الطقس العامة في البلاد بانتشار العواصف الترابية بصورة كبيرة في مواسم الشتاء والصيف، والتي زادت من حدتها لترفع العراق الرابع عالمياً في التلوث البيئي.
اما الحروب العبثية للطاغية صدام فتسببت بارتفاع نسبة الملوثات بمختلف اصنافها في العراق اكثر من 11 ضعفاً مقارنة بعام 1978 بسبب الحروب المستمرة منذ عام 1980 واستخدام الاسلحة الكيمياوية والاسلحة المحتوية على اليورانيوم المنضب، كما ان اتلاف اسلحة الدمار الشامل في الاراضي العراقية من قبل منظمات الامم المتحدة والحكومة العراقية السابقة ادى الى تلوث التربة والمياه بشكليها السطحي والجوفي، ففي دراسة اجراها المركز الطبي الدولي لأبحاث اليورانيوم وجد ان التلوث الاشعاعي منتشر في جميع مدن وسط وجنوب العراق، بدرجة خطيرة تجاوزت في بعض المواقع التي تعرضت للقصف بذخائر اليورانيوم المنضب، اكثر من 30الف مرة عن الحد المسموح به ، مع العلم ان هذا الاشعاع لم يكن مقتصرا على الهواء وانما يشمل التربة كذلك ويستمر تأثيره الى فترات زمنية طويلة جداً مما يجعل تأثيره شاملاً على الانسان والحيوان والنبات وكافة اشكال الحياة البيولوجية .
أنتج النظام الصدامي كميات كبيرة من اسلحة الدمار الشامل بمختلف اصنافها، وقد تمكنت لجان التفتيش التابعة للأمم المتحدة، لجنة الرصد التحقيق والتفتيش التي تأسست بموجب قرار مجلس الامن المرقم 1284 في 17 ديسمبر 1999 من تدمير واتلاف كميات كبيرة منها ودفنها بالتربة في مناطق مختلفة من العراق وغالبا ما تكون ليس بعيدا من مواقع انتاجها.
لقد أظهرت الاستطلاعات الميدانية والقياسات التي أجراها فريق من مركز أبحاث اليورانيوم الأمريكي بالتعاون مع جهات علمية دولية أخرى، أجرى مسحا موقعيا لبعض مسارح العمليات العسكرية في وسط البلاد وجنوبها أن ارتفاع مستوى التلوث الإشعاعي في مناطق شاسعة من أجواء بغداد ومناطق جنوب العراق كان واضحا حيث بلغ عشرة أضعاف المستوى الطبيعي.
ومما يُذكر فإن 44% من أكاسيد اليورانيوم المتحررة تحتوي على دقائق بأحجام تقل عن 1 ميكرون، مما يجعلها سريعة الدخول في الحويصلات الرئوية والبقاء فيها. وقد أفادت دراسة أن 33% من مخلفات غيمة أكاسيد اليورانيوم الناتجة عن تفجير دبابة أو مدرعة حديثة تدخل الرئة ولا تخرج منها. وقد لوحظ أن الشظايا التي تخلفها بعض الإطلاقات المنفجرة تنتشر على رقعة واسعة، لا سيما في مناطق الحقول والمزارع، مما يهدد بتلوث المياه السطحية والدورات الزراعية والغذائية بالإضافة إلى المياه الجوفية مع تقادم الوقت.
لقد أكد متخصصون بالأمراض السرطانية، ارتفاع نسبة الإصابة بهذه الأمراض في المنطقة الجنوبية من العراق بنسبة كبيرة تراوحت بين 50 في المائة و100 في المائة في عدد من أنواع السرطان.
ان القيام بمهمة دراسة وتقييم الوضع البيئي في العراق وازالة اثار الحروب من الاسلحة والدروع والعجلات الملوثة وكذلك ازالة عشرات الالغام المدفونة على الحدود العراقية الايرانية والعراقية الكويتية والعراقية السعودية هي مهمة لا يمكن ان تضطلع فيها الحكومة العراقية فقط وبإمكاناتها المحدودة، وانما هي مهمة دولية، للأمم المتحدة والولايات المتحدة بشكل خاص مسؤولية ودور كبير فيها، لهذا ومعالجة اوضاع البيئة في العراق والطلب من منظمات الامم المتحدة التي قامت بتدمير اسلحة الدمار الشامل( فرق تفتيش اسلحة الدمار الشامل) والتي تم طمرها في الاراضي العراقية تسليم خرائط ومواقع التدمير والطمر حتى يتسنى دراسة تأثيرها على التربة والمياه الجوفية في هذه المواقع.
يرى الخبراء انه لا يمكن معالجة ظاهرة التلوث البيئي في العراق الا بعد ان تتكون لدى كافة الجهات المعنية صورة واضحة حول الوضع البيئي والتدهور الحاصل فيه خلال السنوات الأخيرة، وأن تتحدد لدى أعلى السلطات في البلاد أهم الأولويات في العمل البيئي، مع برامج ومشاريع لإنجاز ما هو ملح وضروري منها بلا إبطاء، ووضع خطة تشمل كافة المناهج التربوية والإعلامية للتوعية البيئية، وإعداد القوانين والتشريعات اللازمة لمعالجة البيئة و تحسينها وصيانتها، وإعادة دراسة القوانين والتشريعات البيئية القديمة مع مراعاة التطورات الحضارية في مجال البيئة.
من خلال ما تقدم تتكشف الابعاد المخيفة والمرعبة للجريمة الكبرى والمروعة التي ارتكبها الدكتاتور المقبور صدام ضد العراق كوجود، وهي من أكثر جرائمه بشاعة، ويحتاج العراقيون الى عقود طويلة وطويلة جدا من اجل التخلص من تداعياتها، لأنها أكبر من كونها كارثة.
بقلم: سامي رمزي
انتهى
http://ar.shafaqna.com/

