خاص شفقنا العراق-الاُولى: وأنا في خضمّ أداء آداب زيارة المولى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) قفز بين شاهقَي ولائي، بين عقلي وفؤادي، تساؤلٌ جدّاً أعرفه واستفهامٌ قطعاً أُدركه، ولعلّها حالةٌ من حالات تجديد العهد وتحديث الميثاق.
تُرى من هذا المُوارى هنا؟ مثوى أيّ رجلٍ هنا يا تُرى؟ حقّاً إنّه هو ذاك القريب البعيد، النابض في أروقة الحياة نبض الدم في الشريان والوريد، حقّاً إنّه هو هو ذو التاريخ المجيد بلا أدنى شكٍّ وترديد، شاغل الماضي والحاضر والغد العتيد؟
أحلمٌ هذا الذي أُمنهجُ به أُسّ أفكاري وخبايا أحاسيسي ومظاهر ودّي من جديد. كأنّها محاسباتُ تكاملٍ وتفاضلٍ رياضيّةٍ أنثر بها شمل اعتقادي ثم أُعيد صفّه ورصّه بعزمٍ وحزمٍ وتفاني فلا ينخرق ولا يصدأ من ثاني؟
وأنا لازلت منهمكاً بنسك الولاء تداعى في ذاكرتي حضورُ عليٍّ بين ظهراني حياتنا بما زاد على عقودٍ ستٍّ لا أكثر من عمره المنير الممتدّ مذ ذاك الحفر على اللوح الشهير بالألق المنقطع النظير البالغ ذروته في ملحمة الغدير وما تلاها من عصيان القوم المثير … ثم ارتفاعه الربّانيّ عبر واقعة المحراب الذائعة الصيت وفجرها الشهير .. فأيقنتُ ثانيةً أنّ علِيّ الماضي هو الذي يقودني اليوم إلى غدي الآتي ، غدي الراشح من صادق حبّي وراسخ اعتقادي .
الوقفة الأُخرى:
شاءت الألطاف الإلهيّة ، ولعلّها الصدفة ، أن يكون محلّ جلوسي خلال لقائنا المرجع الدينيّ الأعلى السيّد عليّ السيستاني في الجهة المقابلة لمحلّ جلوسه مُدّ ظلّه .. وكعادتي في هكذا فرصٍ ثمينة أسعى لاغتنام الوقت بالانشغال في النظر إلى وجه العالِم عموماً والمرجع خصوصاً التزاماً بنصّ الحديث ، استجمعتُ قواي كي انقطع إلى التحديق طويلاً في محيّاه الشريف ، ولاسيّما حين قبض على شيبته المباركة وكأنّه يرميني بخفيّ الطرف المهيب بنظرة الأب الشفيق ، حسبتُها هكذا فسررتُ هكذا، ولعلّه لم يرني أبدا ، لكنّي حدّثتُ نفسي هكذا.. ولا أُخفي امتعاضي لمّا نادى المنادي بذاك النداء : انتهى زمن اللقاء ، غادِروا المكان يا أعزّاء ، إذ قطع علينا أمل إكثارالبقاء .
نعم -وكما عهدته في أول لقاءٍ حفلت به معه دام ظلّه قبل إثني عشر عام -له تهوي القلوب وتهفو، وبه تحلّق الأفكار وتسمو، سيماه سيماءُ المؤمن كياسةً وفطنةً وزهدا وحكمة وعلما، خُلُقاً وتواضعاً ونصحاً وكهفاً وتدبيراً أشمّا، أمناً وسلاماً وفلاحاً ولمّاً للشمل لمّا.
والحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم والصلاة والسلام على الرسول الخاتم وآله أسياد العالم.
بقلم: كريم الأنصاري

