شفقنا العراق ــ في ظل تصاعد التحذيرات الرسمية من خطر الانزلاق نحو كارثة بيئية تهدد استدامة العيش في المدن والأرياف، تتكثف التحركات الحكومية والرقابية في العراق لمحاصرة مصادر التلوث الخانقة عبر إغلاق مئات المنشآت المخالفة، وسط مطالبات حاسمة بتفعيل الأطر القانونية لحماية الهواء والمياه من التدهور الممنهج.
ملوثات حكومية
ويقول عضو لجنة الزراعة والبيئة النيابية فالح الخزعلي،اليوم الأحد (4 تشرين الأول أكتوبر 2026)، إن لجنته “تمتلك إحصائية كاملة بشأن مصادر التلوث على مستوى المياه والهواء والتربة، فضلاً عن الغازات المنبعثة من عمليات الاستكشاف النفطي والمواد المشعة كيميائياً والمخلفات الحربية، سواء المتعلقة بالمواد المشعة أو المتفجرات”.
ويضيف، أن ”الإحصائيات تشمل أيضاً محطات المجاري والصرف الصحي في كل محافظة وطاقتها ومدى مطابقتها للمعايير البيئية، إلى جانب مشاريعها المستقبلية وكميات المياه غير المعالجة التي تلقى في نهري دجلة والفرات، ونمتلك في اللجنة تفاصيل وإجراءات تتعلق بهذه الملفات”.
ويردف، أن ”المتابعة النيابية أسفرت عن توجيه كتاب إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى لدعم ملف البيئة على مختلف المستويات ومحاسبة المخالفين”، لافتاً إلى أن “جزءاً كبيراً من مصادر التلوث البيئي يعود إلى مؤسسات حكومية، من بينها قطاعات الكهرباء والصحة والنفط والإعمار والإسكان، فضلاً عن المحافظات وقطاع الصناعة، التي تسجل مخالفات بيئية كبيرة”.
700 مخالفة بيئية
ويبين الخزعلي، أن “الإجراءات المشددة شملت تشكيل لجنة برلمانية تتولى متابعة الملوثات في نهر دجلة، بعد وصول المياه في بعض المحطات والمحافظات إلى معدلات غير مقبولة للاستهلاك، فيما تجاوز عدد المخالفات البيئية المسجلة 700 مخالفة في عموم القطاعات الحكومية، وهي مخالفات تستدعي اتخاذ إجراءات قضائية بحق الجهات المسؤولة عنها”.
إغلاق 761 مشروعًا
وأعلنت مديرية الشرطة البيئية التابعة لوزارة الداخلية، أن حصيلة المشاريع المغلقة خلال عام 2026 بلغت 761 مشروعاً، فيما أشارت إلى أن أبرز المؤثرات البيئية ترتبط بطبيعة النشاط وانعكاساته على الهواء والمياه والتربة، وبينها عمليات الاستخراج والصناعات النفطية وما يرافق الطلب المتزايد على الكهرباء من زيادة في استهلاك الوقود.
وقال مدير عام دائرة حماية وتحسين البيئة في منطقة الوسط التابعة لوزارة البيئة، سنان جعفر محمد، في تصريح صحفي، إن الإجراءات القانونية لا تقتصر على غلق النشاط المخالف، بل تشمل توجيه الإنذارات والإيقاف المؤقت وفرض الغرامات المالية والإحالة إلى القضاء.
وفي تفاصيل آلية التعامل مع المخالفات، ذكر محمد، أن الأنشطة التي لا تمتلك موافقة بيئية لا يسمح لها بالاستمرار لحين استحصال الموافقات الأصولية، بينما تنذر الأنشطة المخالفة لإزالة المخالفة خلال مدة قانونية، وبخلاف ذلك يتم إيقافها عن العمل أو غلقها مؤقتا لحين إزالة المخالفة، مع إمكانية فرض غرامات مالية تتكرر شهريا، فضلا عن الإحالة إلى القضاء.
ملف سيادي
وينبه الخزعلي إلى أن لجنته طالبت “بتفعيل قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، ولاسيما ما يتعلق باللجنة المعنية في كل محافظة التي يرأسها المحافظ وتفعيل دورها على نطاق واسع، إلى جانب تفعيل المجلس الأعلى للبيئة، لأننا نعتبر ملف البيئة ملفاً سيادياً تتحمل الحكومة مسؤولياته، وفقاً للمادة 33 من الدستور”.
وتنص المادة 33 من الدستور العراقي لسنة 2005 المعنية بحماية البيئة على ما يلي:
• أولاً: لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة.
• ثانياً: تكفل الدولة حماية البيئة والتنوع الأحيائي والحفاظ عليهما.
وفي الجانب التشريعي، يؤكد الخزعلي على ”وجود تحركات لتعديل قانون حماية وتحسين البيئة بعد إحالته من الحكومة، وأن التعديل المرتقب سيشمل تشديد العقوبات”.
الطاقة المتجددة
أما بشأن الطاقة المتجددة، يوضح النائب الخزعلي، أن “الإجراءات بدأت لدعم هذا الملف في قطاعات الصناعة والزراعة والإسكان بهدف تقليل الانبعاثات، إلى جانب متابعة ملف (الفليرات) في القطاع النفطي”، مؤكداً أهمية ”معالجة هذه الملفات بصورة صحيحة وموضوعية بما ينسجم مع القوانين والمواد النافذة”.
ويجدد التأكيد على ”امتلاك اللجنة قاعدة بيانات تتضمن تفاصيل وإحصائيات بشأن الجهات التي تخالف القوانين والملاحظات المتعلقة بالمخالفات البيئية في عموم المحافظات العراقية”.
وفي 23 أيلول 2026، أعلنت قيادة عمليات بغداد، في بيان اطلعت عليه “العالم الجديد”، إغلاق ثلاث شركات لإنتاج الصب الكونكريتي لمخالفتها الشروط البيئية في منطقة البوعيثة والدورة بجانب الكرخ، ضمن إجراءات لجنة الأمر الديواني 241285 المعنية بمتابعة المصانع والمعامل والشركات غير المجازة والحد من التلوث الناتج عن الغازات والروائح المصاحبة لعمليات الإنتاج.
ونفذت اللجنة الحكومية تلك الإجراءات بالاشتراك مع مفارز من جهاز الأمن الوطني وشرطة بيئة الكرخ ودوائر بلدية، وبإسناد قوة من الفرقة الثانية في الشرطة الاتحادية، إذ أشارت قيادة عمليات بغداد إلى أن الشركات الثلاث كانت تعمل خارج الضوابط البيئية، بما يسبب أضراراً على صحة وسلامة المواطنين.
تحسين جودة الهواء
من جهتها، خبيرة التلوث البيئي والإشعاعي د. إقبال لطيف جابر، اليوم الأحد، إن ”إغلاق مواقع رمي النفايات وحرقها، وتقليل عمليات الصهر، إلى جانب استخدام الوقود الخالي من الرصاص والمتوافق مع المعايير البيئية، يسهم في خفض انبعاثات عدد من الأكاسيد الخطرة، ومنها ثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين، فضلاً عن أكاسيد المعادن، ومنها أكسيد الألمنيوم وأكسيد الرصاص، وهذه الملوثات تنتشر في الهواء وتؤثر في الصحة العامة”.
وتعتبر، أن “إغلاق هذه المواقع سينعكس على جودة الهواء، ولاسيما خلال ساعات الصباح الباكر، قبل أن تتغير جودته عند الساعة التاسعة أو العاشرة إلى مستوى جيد، الذي يتراوح بين 60 و70 وقد يصل إلى 90، على أن يبقى دون 100، قبل أن تتدرج مستويات التلوث لاحقاً إلى غير الصحي والخطر”.
وتضيف جابر، أن ”الحد من هذه الانبعاثات يسهم في تقليل الأمراض وكميات الغبار، كما يساعد النباتات والأشجار على النمو بصورة أفضل وتثبيت التربة عبر جذورها”، مشيرة إلى أن “النباتات تمتص كذلك المعادن المترسبة في التربة نتيجة عمليات الحرق، ما يؤدي إلى انتقال هذه الملوثات عبر النباتات ودخولها في السلسلة الغذائية”.
وتشدد على الحاجة إلى ”عمليات مستمرة لتشديد الرقابة والتفتيش وتجهيز منظومات لرصد الهواء، خصوصاً في المناطق السكنية ذات الكثافة المرورية العالية والمناطق الصناعية، عبر إنشاء محطات لرصد ملوثات الهواء”.
حلول تحد اليد
وفي ما يتعلق بالحلول، ترى الخبيرة البيئية، أن ”زيادة التشجير تمثل عاملاً مهماً في تحسين جودة الهواء، إذ تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون الناتج عن حركة المركبات والمولدات وتطرح الأكسجين، والتشجير عملية حيوية للتبادل الغازي وانعكاسه على جودة الهواء”.
وتقترح ”تحييد المركبات القديمة التي خرجت من الخدمة في بلدان منشئها بسبب قدمها، لكونها تستهلك كميات أكبر من الوقود وتنتج انبعاثات أكثر، وإمكانية نقلها إلى خارج العاصمة أو إلى المناطق ذات الكثافة السكانية القليلة”.
وتنوه جابر إلى ”إمكانية اعتماد نظام الزوجي والفردي في حركة المركبات لتقليل الازدحامات”، موضحة أن ”بقاء السيارات في حالة تشغيل خلال الاختناقات المرورية يؤدي إلى استهلاك الأكسجين وإطلاق كميات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون والغازات الأخرى، بما يؤثر في الصحة العامة وجودة الهواء”.
إغلاق 114 معملاً
وأعلنت قيادة عمليات بغداد، في بيان ، أمس السبت، إغلاق 81 كورة لصهر المعادن و33 معملاً مخالفاً للضوابط والشروط البيئية والصحية في جانبي الكرخ والرصافة، بينها معامل لإنتاج مادة الإسفلت، فضلا عن إزالة عدد كبير من مواقع الحرق العشوائي.
وأوضحت القيادة، أن لجنة الأمر الديواني 241285 واصلت مهامها في متابعة معامل وكور صهر المعادن المخالفة، مؤكدة استمرار اللجنة في متابعة المواقع المخالفة واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من مصادر التلوث في العاصمة.
مشكلة المولدات الكهربائية
وتدعو خبير التلوث البيئي والإشعاعي إلى تقليل استيراد المركبات وصولاً إلى إيقاف استيرادها، إلى جانب معالجة مشكلة المولدات، التي تصفها بأنها مشكلة حقيقية تختلف عن المركبات بسبب انتشار أعداد كبيرة منها داخل الأحياء السكنية.
وتبين، أن ”خطورة المولدات ترتبط بما تطلقه من أكاسيد وعناصر سامة، فضلاً عن بخار الماء”، مشيرةً إلى أن ”الانبعاثات القريبة منها تسبب تهيجاً وحساسية في الصدر وحكة ومشكلات صحية أخرى، وتزداد آثارها كلما قلت المسافة بين السكان ومصدر الانبعاث”.
وتخلص جابر إلى ”ضرورة إبعاد المولدات عن المناطق السكنية للحد من تعرض السكان بصورة مباشرة لانبعاثاتها”.
كارثة بيئية حقيقية
وحذرت وزيرة البيئة سروة عبد الواحد، في 24 أيلول سبتمبر الماضي، من أن العراق يواجه “كارثة بيئية حقيقية” مع استمرار تلوث المياه والهواء، مؤكدة توجه الوزارة إلى رفع دعاوى قضائية بحق المسؤولين والمتسببين بالتلوث، ولا سيما في الجهات الحكومية التي قالت إنها لا تستجيب لمطالب الوزارة.
وأشارت عبد الواحد إلى أن تلوث الهواء بات يوازي خطورة تلوث نهري دجلة والفرات، مطالبة بتشديد العقوبات على المخالفين، ومحذرة من أن استمرار آليات المعالجة الحالية قد يجعل بعض القرى والأرياف، وحتى المدن، غير قابلة للعيش خلال السنوات المقبلة.

