شفقنا العراق ــ تمثل السيادة الاقتصادية “قلب السيادة السياسية” إذ إن الدولة العاجزة عن إدارة مواردها، والمعتمدة كليًا على الخارج في تأمين حاجاتها الأساسية، تفقد قدرتها على اتخاذ القرار.
تجسد السيادة الوطنية الحقيقية في قدرة الدولة على حماية مصالحها واتخاذ قراراتها بمعزل عن الضغوط الخارجية، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، خلال مؤتمر “يوم السيادة”، مبينا أن السيادة تتجلى بـ”بناء اقتصاد عراقي قوي وقادر على مواجهة المتغيرات العالمية والتفاعل الإيجابي مع الاقتصاد الدولي”.
قلب السيادة السياسية
وبهذا المفهوم تمثل السيادة الاقتصادية “قلب السيادة السياسية” إذ إن الدولة العاجزة عن إدارة مواردها، والمعتمدة كليًا على الخارج في تأمين حاجاتها الأساسية، تفقد قدرتها على اتخاذ قرار مستقل بغض النظر عما تمتلكه من قدرات سياسية وعسكرية كبيرة.
استقلال القرار
وفي هذا الشأن، قال الخبير الاقتصادي، هشام خالد عباس: إن السيادة الاقتصادية تمثل أحد المحاور الأساسية لتعزيز استقلال القرار الوطني، مبينًا أن قوة القرار السياسي ترتبط بامتلاك اقتصاد قادر على توفير موارده وإدارة ثرواته وتقليل آثار تعرضه للضغوط الخارجية.
وأوضح عباس، أن الاقتصاد العراقي بحاجة إلى استراتيجية واضحه لتنويع مصادر الدخل، وتحويل جزء كبير من العوائد النفطية إلى استثمارات إنتاجية في قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والسياحة والنقل والتكنولوجيا، بما يسهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.
مشيرًا إلى أن تعزيز السيادة الاقتصادية لا يعني الانغلاق أو الابتعاد عن النظام المالي والاقتصادي الدولي وإنما يتطلب بناء علاقات متوازنة تحفظ المصالح الوطنية وتدعم الثقة الدولية، بالتزامن مع تطوير القطاع المصرفي وتوسيع أدوات التمويل ودعم القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في النمو الاقتصادي.
حماية الاستثمار
وأضاف أن حماية الاستثمار تمثل جانباً رئيسياً من جوانب السيادة الاقتصادية، لافتاً إلى أن المستثمر لا يبحث عن الفرص فقط بل يحتاج إلى بيئة قانونية مستقرة وعقود واضحة ومحترمة، وقضاء مستقل وإجراءات حكومية شفافة، ومنافسة عادلة فضلاً عن حماية المشاريع من الفساد والابتزاز والتدخلات التي ترفع كلفة الاستثمار وتضعف جدواه الاقتصادية.
وأشار إلى أن الدولة مطالبة بتحويل التعهدات المتعلقة بحماية المستثمرين إلى إجراءات عملية قابلة للقياس، عبر تسريع حسم النزاعات، وتوضيح مسؤوليات المؤسسات، وتحسين البنية التحتية والخدمات، وتعزيز حماية الأصول والبيانات واستمرارية الأعمال في مواجهة الأزمات.
موضحاً أن حماية المستثمر لا تعني ضمان الأرباح أو تحميل الدولة مخاطر النشاط التجاري، وإنما ضمان الحقوق وتطبيق القوانين بعدالة، مقابل التزام المشاريع بمعايير الجودة وحماية المستهلك والموارد الطبيعية وحقوق العاملين.
السيادة الاقتصادية
وأكد أن العراق يمتلك فرصاً واسعة لتعزيز سيادته الاقتصادية إذا نجح في تحويل موارده إلى إنتاج وتنمية وفرص عمل مستدامة، مشدداً على أن الشراكات الدولية يمكن أن تكون عاملًا داعماً عندما تسهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا وتوسيع الإنتاج المحلي.
كما بين بأن السيادة الاقتصادية لا تقاس بحجم الموارد فقط، وإنما بقدرة الدولة على إدارتها وتحويلها إلى قوة إنتاجية وتنموية، موضحاً أن كل مورد متنوع ومشروع منتج وفرصة عمل مستدامة، تعزز قدرة العراق على اتخاذ قراراته الاقتصادية بثقة واستقلالية أكبر.
حماية الموارد
بدوره رهن الخبير الاقتصادي، د. نبيل العبادي، تكامل السيادة السياسية بسيادة اقتصادية حقيقة مبيناً أن السيادة الاقتصادية لا تمنح ولا تستورد، وانما تبنى عبر امتلاك أدوات القرار الاقتصادي والقدرة على حماية الموارد والمصالح الوطنية.
وأوضح العبادي ، أن بناء السيادة الاقتصادية يستند إلى ثلاثة أعمدة أساسية. لافتاً إلى أن أولها السيطرة على الموارد، إذ لا يكفي أن يكون النفط عراقياً. بل ينبغي امتلاك القدرة على التأثير في إدارة الأسعار وسلاسل التصدير وتطوير تقنيات الاستخراج. أما العمود الثاني فيتمثل بتنويع القاعدة الإنتاجية لأن الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على مورد واحد كالنفط، يبقى أكثر تعرضاً للتقلبات الخارجية.
وأضاف أن العمود الثالث يتمثل في بناء القدرات الذاتية في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وتنمية رأس المال البشري، بما يتيح للعراق الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة.
مشيرًا إلى أن حماية السيادة الاقتصادية لا تتحقق بالقوانين وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة قضائية مستقلة تطبق العقود بعدالة، وأجهزة رقابية فاعلة لمكافحة الفساد، واستقرار سياسي وأمني يوفر بيئة استثمارية واضحة إلى جانب شراكة متوازنة مع المستثمر الأجنبي تحفظ حقوق العراق.
وحث العبادي على وضع ميثاق اقتصادي وطني يتجاوز الخلافات السياسية، يتضمن شفافية كاملة في عقود الاستثمار، وإنشاء صندوق سيادي للأجيال يدار بمعايير مهنية، فضلًا عن استراتيجية زمنية لتنويع الاقتصاد تشمل الطاقة المتجددة والصناعة وتحقيق الاكتفاء الغذائي الجزئي.

