شفقنا العراق-تحولت هجرة الشباب الكردي عبر طرق التهريب إلى مسار محفوف بالمخاطر، في ظل دوافع اقتصادية واجتماعية وسياسية تدفع بعض الشباب إلى مغادرة الإقليم رغم ارتفاع كلفة الرحلة واحتمالات الفشل.
هذا الطريق لا يكشف عن نهايات الرحلة وما يرافقها من قسوة ومجازفة، في مسار القوارب التي تغادر السواحل الليبية، بقدر ما يكشف عما يدفع الشباب الكردي للمغامرة هرباً من أعباء أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وافتقاد آلاف الخريجين سنوياً إلى فرص عمل، في حين قد يغرّ بعضهم بامتيازات وحياة أفضل، حظي بها أقرانهم في دول المهجر.
مصير مبهم
لأيام عدة علقت هواجس عائلات المهاجرين بين احتمالين، إما أنهم محتجزون في ليبيا أو أنهم قضوا في البحر المتوسط خلال رحلة نحو إيطاليا، وحتى أواخر سبتمبر الماضي، بدت الصورة مبهمة حول مصيرهم، في ضوء تبيان المعلومات الواردة، وفي إحدى الروايات يكشف الناشط الكردي في شؤون الهجرة، رنج بشدري، عن فقدان خمسة شبان في ليبيا منذ نحو ستة أشهر، مشيراً إلى أنهم اُحتجزوا بعد وصولهم في مارس (آذار) الماضي، وصودرت هواتفهم وجوازات سفرهم قبل انقطاع الاتصال بهم.
جثامين بلا ملامح
وفي الـ 26 من سبتمبر الماضي، أعلن القائم بالأعمال لدى السفارة العراقية في ليبيا، أحمد الصحاف، أن السفارة تتحرى عن مصير 18 مهاجراً عراقياً، بينهم أكراد، عقب تداول معلومات عن احتمال غرقهم في البحر المتوسط، مؤكداً أن السلطات الليبية المتخصصة لم تؤكد حتى ذلك التاريخ غرقهم أو وفاتهم، ومبيناً أن السفارة تتابع الملف منذ نحو شهر.
وزاد تداول صور جثامين في البحر من قلق العائلات، لكن تحديد هويات أصحابها لم يحسم، وقال والد أحد المهاجرين إن إحدى الجثث تحمل وشماً يشبه وشم ابنه، لكنه أشار إلى اختلاف في بعض الملامح والجسد، مما صعب تحديد هوياتهم.
أما رئيس “رابطة المهاجرين العائدين من أوروبا”، بكر علي، فقد نفى في تصريحات وجود معلومات رسمية تؤكد غرق 18 مهاجراً كردياً، لكنه قال إن الاتصال انقطع مع 21 شخصاً، وإن لدى الرابطة معلومات عن وجود أسماء مهاجرين في سجن تاجوراء في منطقة الرخبة الليبية، وبحسب إفادته، ينقسم المفقودون إلى ثلاث مجموعات، 10 انقطع الاتصال بهم في مارس الماضي، و14 في وقت سابق من أغسطس الماضي، وثلاثة في الـ 27 من الشهر نفسه، مع التشديد على ضرورة عدم تداول معلومات غير موثقة.
احتجاز وابتزاز
وتسجل حالات الاحتجاز سابقة في مسار المهاجرين الأكراد عبر ليبيا، فخلال العام الماضي تحدثت تقارير عن اعتقال 42 شاباً كردياً على الساحل الليبي، فيما أعلنت حكومة إقليم كردستان في سبتمبر من العام نفسه إعادة 33 شاباً كانوا محتجزين هناك، بعد أن أمضى بعضهم أكثر من شهر في ظروف وصفت بالصعبة،
وفي مطلع العام الحالي أعلن النائب الكردي مثنى أمين أن الحكومة العراقية تعتزم إرسال طائرتين لإعادة 160 مهاجراً كردياً من ليبيا، فيما قال عدد من العائدين إن مسلحين دهموا الفندق الذي كانوا يقيمون فيه في طرابلس، وصادروا هواتفهم واقتادوهم إلى السجن، حيث احتُجز بعضهم بصورة انفرادية لنحو أسبوعين قبل نقلهم إلى قاعة مكتظة.
مجازفات باهظة
مع تشدد الرقابة على بعض المسارات وطرق التهريب، برزت ليبيا وتونس كطريقين يستخدمهما مهاجرون من الإقليم للوصول إلى أوروبا، وتشير تقديرات صادرة عن “منظمة شباب رابرين” الناشطة في السليمانية إلى أن نحو 300 شاب كانوا يغادرون المنطقة شهرياً خلال العام الماضي، بينما بلغت الكلفة الإجمالية التي يدفعها الشاب، وفقاً لتقديراتها، نحو 25 ألف دولار لغاية الوصول إلى أوروبا، فيما قالت حكومة رابرين المحلية في وقت سابق، إنها رصدت محاولة 1500 شاب، بينهم مراهقون، المغادرة خلال العام الماضي، وعزت الدوافع إلى البطالة وتراجع الثقة بالمستقبل.
وتكشف أرقام أخرى عن صورة أكثر قتامة، إذ تشير بيانات “رابطة المهاجرين العائدين من أوروبا” خلال العام الماضي إلى رصد نحو 6500 حالة مغادرة من الإقليم، بينهم 1500 من منطقة رابرين وحدها، وكذلك رصدت مصرع شابين مع فقدان اثنين آخرين، وفي مارس من العام الماضي كشف رئيسها بكر علي عن مغادرة نحو 30500 بين عامي 2023 و2025، مشيراً إلى مصرع 37 مهاجراً بين عامي 2023 و2024.
انسداد الأفق
ويظل تراجع فرص العمل أحد أبرز الأسباب التي تدفع الشباب والخريجين في الإقليم نحو الهجرة، مع استمرار الازمات الاقتصادية والغلاء المعيشي، في ظل ارتفاع معدل البطالة الذي وصل عام 2024 إلى 15 في المئة، وفقاً لمسح اجتماعي واقتصادي رسمي للأسرة، صادر عن “هيئة الإحصاء”.
ويتفاوت المعدل بين المحافظات الكردية، ففي دهوك تجاوز المعدل الـ 17 في المئة، وفي أربيل كان 14 في المئة، وأقل منها بقليل في السليمانية، بينما تظهر الأرقام هوة واسعة على مستوى الجنس، إذ بلغت البطالة بين النساء 27 في المئة، مقابل 10 في المئة بين الرجال، وكذلك أظهر مسح مستقل لـ “القوى العاملة” في الإقليم لعام 2021 ارتفاع بطالة الشباب بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المئة.
ويرى الباحث الاجتماعي ريناس بكر أن سوق العمل “تعجز عن استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين، بينما تتراجع فرص التعيين الحكومي من دون توسع مواز في القطاعات الإنتاجية”، مضيفاً أن “الهجرة تحولت لدى شريحة من الشباب من خيار موقت إلى مشروع حياة، حين لا يجد الشاب وظيفة أو مساراً واضحاً لبناء مستقبله”،
مستدركاً أن “الأسباب لا تقتصر على البطالة، بل تشمل عوامل تتعلق بالفساد وضعف الثقة بالمستقبل السياسي والإداري”، ليتوافق هذا الرأي مع دراسة منسوبة إلى مؤسسة “كونراد أديناور”، التي عزت دوافع هجرة الشباب إلى “النظام الحزبي، وفقدان الثقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي”.

