شفقنا العراق- استعرض الشيخ مؤيّد السبع ملامح بارزة من سيرة المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيّد موسى الشبيري الزنجاني (قدس سره) مسلطاً الضوء على مكانته العلمية والفقهية الرفيعة بعد رحيله الفاجع في سبتمبر 2026.
التحقيق العلمي والتواضع واحترام الاجتهاد
وتوقف الشيخ مؤيّد السبع عند عدد من الملامح التي طبعت تجربته الحوزوية، من عنايته بالفقه والحديث والرجال وتحقيق التراث، إلى متابعته النتاج الفقهي المعاصر، وأسلوبه في التدريس، واحترامه للعلماء وإن خالف آراءهم، وجرأته في قول «لا أعلم»، فضلاً عن تأكيده المستمر على اقتران التحصيل العلمي بالتوسل بأهل البيت (عليهم السلام).
وانطلق الشيخ مؤيّد السبع في حديثه عن السيّد موسى الشبيري الزنجاني (قدس سره) من فكرة أن رحيل الفقيه لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للحزن والتعزية فحسب، بل إلى فرصة لإعادة قراءة تجربته العلمية، والتأمل في منهجه، وتشخيص العناصر التي يمكن نقلها إلى الأجيال اللاحقة.
وأوضح أن العالم لا يقاس بمدة حياته وحدها، وإنما بما يضيفه إلى ميراث العلم، وما يتركه في عقول تلامذته وسلوكهم، وما يفتحه أمام الآخرين من أسئلة ومسارات للتفكير.
وبهذا المنظور، قدّم السبع حديثه عن السيّد الزنجاني بوصفه قراءة في «منهج وتجربة علمية» أكثر منه استعراضاً لسيرة شخصية مضت، مؤكداً أن الوفاء للعالم بعد رحيله يتمثل في فهم إرثه العلمي وحفظه ونقله، وتحويل المحبة والحزن عليه إلى استمرار للطريق الذي قضى عمره في خدمته.
مكانة علمية وعناية واسعة بالتراث
واستعرض السبع جانباً من المسيرة العلمية للسيّد الزنجاني، مشيراً إلى المكانة التي كان يتمتع بها في أوساط الحوزة العلمية، ولا سيما في التحقيق والتدقيق وعلمي الرجال والدراية.
وذكر أن أبحاثه وتحقيقاته لم تبق محصورة في دائرة تلامذته المباشرين، بل تداولها طلاب العلم من بلدان متعددة، واستفادوا من نكاته وتحقيقاته العلمية.
وأشار إلى ما نقله عن الشيخ جعفر السبحاني في وصف السيّد الزنجاني بأنه «الخبير الأوحد في علم الرجال» وأنه «مجتهد في هذا العلم»، مع الإشارة إلى استقصائه في المسائل قبل إصدار الفتوى، مقدماً ذلك بوصفه شاهداً على منزلته في التحقيق الرجالي والفقهي.
وفي عرضه لنشأته العلمية، ذكر السبع أن السيّد الزنجاني نشأ في بيت علم وفضل في كنف والده السيّد أحمد الزنجاني (قدس سره)، وأن هذه البيئة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية منذ وقت مبكر.
كما أشار إلى دراسته في حوزتي قم والنجف وحضوره أبحاث عدد من أعلام عصره، وهو ما أتاح له ـ بحسب السبع ـ الاطلاع المباشر على مدارس ومناهج متعددة في الفقه والأصول والتحقيق والاستنباط.
ورأى السبع أن من السمات البارزة لمسيرته العلمية الجمع بين الفقه والأصول وبين العناية بالتراث الحديثي والرجالي وتحقيق النصوص القديمة.
وذكر في هذا السياق اهتمامه بنسخ «الكافي» للشيخ الكليني، ومقابلة نسخه وتصحيح نصوصه، وعنايته بـ«تهذيب الأحكام» للشيخ الطوسي، وبكتاب «المحاسن» للبرقي، إلى جانب تحقيقاته وتعليقاته المرتبطة بكتب الرجال، ومنها «رجال الشيخ الطوسي» و«رجال النجاشي».
العلم مسيرة لا تنتهي بتقدم العمر
ومن المحاور التي توقف عندها السبع استمرار السيّد الزنجاني في البحث والتدريس إلى أواخر حياته، مستشهداً بما نقله عن تلميذه السيّد باقر الموسوي من قوله بعد نحو ثلاثين عاماً من الاستفادة من أستاذه إن «مطالبك لم تنته»، وبأن آخر دروسه كان قريباً جداً من نهاية حياته.
وربط السبع هذه الخصوصية بفكرة أوسع، هي أن العلم عند بعض العلماء لا يمثل مرحلة عمرية تنتهي، بل يصبح مساراً ملازماً للحياة.
واستشهد في هذا السياق بالتوقيع المنقول في كتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي في شأن عثمان بن سعيد العمري، وما ورد فيه: «فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً فيما يقربه إلى الله عز وجل وإليهم»، مركزاً على دلالة «لم يزل» على الاستمرار والمداومة في بذل الوسع.
وبحسب السبع، فإن استذكار العلماء لا ينبغي أن يقود طالب العلم إلى الانكفاء أمام حجم الخسارة، بل إلى زيادة الهمة في طلب العلم ومواصلة الطريق.
ولذلك دعا القادرين من الشباب، ممن تتوفر لديهم الرغبة والاستعداد، إلى التوجه نحو الدراسة الحوزوية، مستحضراً ما نقله عن السيّد الزنجاني من الحث على اغتنام مرحلة الشباب، لأن الشباب والصحة والأمن فرص لا تضمن استمراريتها.
لا تجعل خطأً اجتهادياً وسيلة لإسقاط الفقيه
وتوقف السبع مطولاً عند ظاهرة انتقاد الفقهاء بعد رحيلهم، محذراً من أن تتحول مخالفة رأي اجتهادي أو العثور على خطأ في بعض آثار الفقيه إلى ذريعة للانتقاص من شخصيته العلمية أو إسقاط مجمل تراثه.
وأوضح أن الفقيه ليس معصوماً من الخطأ، وأن طبيعة الاجتهاد تقتضي البحث والنظر وإمكان تبدل الرأي تبعاً لتبدل الاجتهاد. ولذلك رأى أن اكتشاف رأي لا ينسجم مع ما يراه الباحث، أو حتى رأي يعتقد خطأه بوضوح، لا يبرر الانتقال من مناقشة الرأي إلى الطعن في صاحب الرأي.
وانتقد السبع ما وصفه باعتماد بعض المتعاملين مع آراء العلماء على «ازدواجية المعايير» والمقاييس الشخصية، مؤكداً ضرورة وجود ميزان علمي واضح يميز بين الرأي الاجتهادي الواقع داخل دائرة البحث الفقهي وبين ما يمكن أن يمس الأصول التي يقوم عليها الانتماء الديني أو المذهبي.
وفي توضيح المنهج الذي دعا إليه، نقل السبع عن السيّد الزنجاني قصة تتعلق بالسيّد حسين البروجردي (قدس سره)، مفادها أنه عرض في أحد دروسه فتوى لأحد الفقهاء المتقدمين ـ وقد تردد الناقل بين ابن الجنيد وابن إدريس ـ وكانت الفتوى بعيدة عن الصواب في نظره ونظر الحاضرين، فظهرت منه ابتسامة عفوية. لكنه خصص درس اليوم التالي للحديث عن مكانة ذلك الفقيه، خشية أن تكون ابتسامته قد تركت في نفوس الطلبة انطباعاً ينتقص من قدره.
وخلص السبع من القصة إلى قاعدة في أدب البحث العلمي، هي إمكان «الاختلاف مع الفقيه من دون هدم مقامه»، ورد الرأي من دون رد صاحبه، ومناقشة الدليل من غير تحويل المسألة العلمية إلى إساءة شخصية.
الانفتاح على أبحاث المعاصرين
ومن أبرز الصفات العلمية التي ركز عليها السبع في شخصية السيّد الزنجاني عدم اقتصاره في الدرس على التراث الفقهي المعروف وأقوال كبار المتقدمين، بل متابعته المؤلفات والبحوث المعاصرة وإدخالها في دائرة البحث والمناقشة.
وأشار إلى أن الدرس الحوزوي كثيراً ما يدور حول أقوال أعلام من قبيل الشيخ الأنصاري والسيّد الخوئي والمحقق النراقي وغيرهم، وهي أقوال ذات مكانة أساسية في صناعة البحث الفقهي، إلا أن السيّد الزنجاني ـ بحسب السبع ـ لم يجعل ذلك مانعاً من متابعة ما يكتبه المعاصرون ومناقشته بجدية.
وضرب مثالاً بتناوله كتاب «قاعدة لا ضرر» للسيّد علي السيستاني، حيث لم يقتصر على عرض مضمونه، بل ناقشه وأورد عليه جملة من الإشكالات العلمية، ثم أثنى على الكتاب وصاحبه. كما تناول في درسه كتاب الحج للسيّد محمد رضا السيستاني، على الرغم من الفارق العمري الكبير بينهما، وجعله مادة للبحث والمناقشة.
ورأى السبع أن هذه الممارسة تكشف عن نوع من التواضع العلمي؛ فمكانة العالم وسابقته وعمره لا ينبغي أن تمنعه من قراءة نتاج من هو أصغر منه سناً إذا كان في ذلك النتاج ما يستحق البحث. وربط ذلك بما نقله عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا طالب العلم، إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع».
القصة والسؤال أداتان في صناعة الدرس
وتناول السبع طريقة السيّد الزنجاني في التدريس، مشيراً إلى حضوره الملحوظ للأسلوب القصصي في أبحاثه. لكنه شدد على أن استعمال القصة لم يكن بديلاً عن البرهان أو خروجاً عن المضمون العلمي، وإنما وسيلة لتقريب المطلب وتحويل الفكرة المجردة إلى صورة يمكن للطالب استيعابها بصورة أرسخ.
واعتبر أن القصة، إذا بقيت منضبطة بالمادة العلمية، يمكن أن تكون جزءاً من عمق عملية التدريس؛ لأن مهمة الأستاذ لا تقتصر على ذكر القاعدة ودليلها، بل تشمل إفهام الطالب كيفية تشكل المسألة، ومنشأ الإشكال، وطريقة الانتقال من المقدمات إلى النتائج.
وإلى جانب القصة، أشار السبع إلى اعتماد السيّد الزنجاني أسلوب طرح السؤال قبل إعطاء الجواب، بحيث لا يبقى الطالب متلقياً للمعلومة، وإنما يشارك ذهنياً في صناعة البحث ومحاولة الوصول إلى النتيجة. واستشهد بما نقله أحد تلامذته من استخدامه حواراً علمياً سابقاً بين بعض الأعلام في تقريب مسألة فقهية، بما يجعل الواقعة العلمية نفسها أداة لإيضاح مسار الاستدلال.
«لا أعلم» ليست نقصاً في العلم
وفي محور آخر، توقف السبع عند ما وصفه بواحدة من الصفات المميزة للسيّد الزنجاني في البحث والمناقشة، وهي عدم تحرجه من التصريح بعدم المعرفة في المسألة التي لا يحيط بها.
ونقل أن أحد الأشخاص سأله مرة عن مسألة سياسية، فأجاب: «نحن في هذا الأمر نجهل جهلاً بسيطاً»، معتبراً أن أهمية العبارة لا تكمن في لفظها القصير، بل في دلالتها على تحديد العالم لمجال معرفته وعدم تصدره لكل موضوع لمجرد مكانته العلمية.
ورأى السبع أن العالم لا يتميز بقدرته على الكلام في كل ما يسأل عنه، وإنما بمعرفته مواطن علمه كما يعرف مواطن جهله، وأن التوقف عند حدود الاختصاص يمثل كمالاً علمياً لا نقصاً.
واستشهد في هذا السياق بما نقله من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «قول لا أعلم نصف العلم»، مؤكداً أن التصريح بعدم المعرفة أشرف من التكلم بغير علم وأحفظ لحرمة العلم ومقام الفقاهة.
العلم والتوسل.. «أدب الطالب وأدب العابد»
وختم السبع عرضه بالحديث عن الجانب الروحي في منهج السيّد الزنجاني، مشيراً إلى أنه كان يحث طلبته على التوسل بأهل البيت (عليهم السلام) وطلب التوفيق من الله تعالى في طريق العلم وقضاء الحوائج.
وبحسب السبع، لم يكن السيّد الزنجاني يريد لطالب العلم أن ينظر إلى مسيرته بوصفها دروساً ومطالعات وأبحاثاً فحسب، بل باعتبارها طريقاً يحتاج فيه إلى التوفيق والعناية الإلهية. ولذلك كان التوسل بأهل البيت (عليهم السلام) من النصائح التي يكررها على من يطلب منه النصيحة.
وتناول السبع في هذا السياق عبارة زيارة عاشوراء: «اللهم اجعلني عندك وجيهاً بالحسين»، موضحاً أن الوجاهة المقصودة ـ كما عرضها في حديثه ـ لا تعني طلب الزعامة أو مجرد الشهرة الاجتماعية، وإنما حسن الذكر والقبول المقترن بخدمة الدين وطلب رضا الله تعالى.
ورأى أن الصورة التي كان السيّد الزنجاني يسعى إلى ترسيخها هي أن يجمع طالب العلم بين «أدب الطالب وأدب العابد»: يبحث ويحقق ويدقق، ولكنه لا يغتر بما حصل عليه من العلم، ويستشعر حاجته إلى الله تعالى في كل خطوة، ويلتمس التوفيق والتسديد بالتوسل بأهل البيت (عليهم السلام).
وقال السبع إن طالب العلم إذا كان يقرأ الفقه والأصول، فلا ينبغي أن يغلق ـ بإغلاق كتاب الدرس ـ باب التوسل والطلب من الله، لأن العلم الذي يراد له أن يتحول إلى نور في القلب ينبغي، وفق هذا التصور، أن يقترن بالإخلاص والتوجه إلى الله تعالى.
واستشهد بما شاهده أو سمعه من توجه بعض طلبة النجف إلى مرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعض طلبة قم إلى السيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام)، عند تعسر بعض المطالب العلمية عليهم، طلباً للتوفيق في فهمها.
وفي المحصلة، رسم الشيخ مؤيّد السبع من خلال هذه الشذرات صورة لمنهج حوزوي يجمع ـ كما عرضه ـ بين التحقيق والتواضع، وبين احترام تراث المتقدمين والانفتاح على نتاج المعاصرين، وبين حرية النقد وحفظ حرمة العلماء، وبين صناعة العقل الاجتهادي والتربية الروحية.
وجعل من استذكار السيّد موسى الشبيري الزنجاني (قدس سره) مناسبة للدعوة إلى عدم الاكتفاء بالحزن على فقد العلماء، بل تحويل هذا الحزن إلى حفظ لتراثهم ومواصلة لمسيرتهم العلمية.

