شفقنا العراق-لم تعد زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب ممكنة بمعزل عن قدرة المستشفيات على التدريب، إذ ألزمت الوزارة الكليات التي لا تمتلك مستشفيات تعليمية بالتعاقد مع وزارة الصحة وتأهيل مستشفى للتدريب، مع تخصيص مليار دينار سنويا لإدامته.
وضعت وزارة التعليم العالي كليات الطب الأهلية أمام ضوابط أكثر تشدداً، بعد إنذار سبع كليات ومنحها مهلة حتى 15 تشرين الأول أكتوبر لمعالجة المخالفات، بالتوازي مع ربط أعداد القبول بالطاقة الاستيعابية والتدريب السريري، وإلزام الكليات التي لا تمتلك مستشفيات تعليمية بالتعاقد مع وزارة الصحة وتخصيص مليار دينار سنوياً لتأهيلها وإدامتها.
أعداد ضخمة
ويقول الطبيب المقيم أحمد حسن، إن “الأعداد الكبيرة المقبولة في كليات الطب أثرت بشكل كبير في واقع التعليم الطبي في العراق، حيث إن أعداد الخريجين تصل إلى مستويات كبيرة جداً سنوياً، فيما تستقبل بعض الجامعات الأهلية أعداداً ضخمة من الطلبة، فمثلاً إحدى الجامعات الاهلية قبلت نحو 1900 طالب سنوياً”.
ويضيف، أن تدريب 1900 طالب من جامعة واحدة يمثل تحدياً كبيراً أمام المستشفيات، فهناك 19 مستشفى في بغداد، إلى جانب مستشفيات أخرى، إذ يصعب توزيع مئة طالب على كل مستشفى لأغراض التطبيق، والمشكلة تصبح أكبر عند احتساب أعداد الطلبة في الجامعات الأهلية كافة، مع وصول أعداد الخريجين إلى الآلاف خلال السنة الواحدة.
أعداد فائضة
ويبين الطبيب المقيم، أن “تعيينات الأطباء المنتمين إلى وزارة الصحة متوقفة منذ مدة، فيما تتوفر فرص بعقود ورواتب قليلة تبلغ نحو 400 ألف دينار، والمشكلة الأساسية تتمثل في عدم وجود أماكن كافية للتدريب والتطبيق”.
ويدعو حسن إلى “تشديد القبول في كليات الطب إلى حين معالجة الثغرات والنقص الموجود وتوفير القدرة على تدريب جميع الكوادر الطبية حديثة التخرج بكفاءة، على أن يعاد توسيع القبول بعد تحقيق ذلك، خاصة مع وجود فائض في أعداد الطلبة والخريجين في تخصصات التحليلات والتخدير والصيدلة وطب الأسنان، وحتى الطب العام”.
إنذار 7 كليات أهلية
وفتح ملف التعليم الطبي الأهلي بابا جديدا أمام الرقابة على كليات الطب في الجامعات الأهلية، بعدما وجه وزير التعليم العالي والبحث العلمي وكالة عبد الحسين الموسوي، السبت (12 أيلول سبتمبر) باتخاذ إجراءات علمية وإدارية وصفها بالحازمة، لضمان رصانة التعليم الطبي ومستوى التدريب السريري للطلبة.
مستشفيات تعليمية
في المقابل، وضعت الوزارة مساراً مختلفاً أمام الجامعات الأهلية التي تضم كليات طب ولا تمتلك مستشفيات جامعية، إذ ألزمتها بتهيئة مستشفى تعليمي من خلال التعاقد مع وزارة الصحة لتطوير إحدى مستشفياتها وتأهيلها وفقاً للضوابط المعتمدة، لتخصص لاحقا لتدريب طلبة الكلية.
مساومة التدريسيين
وفي السياق، يقول التدريسي الدكتور جعفر الصادق، إن “رواتب التدريسيين في الجامعات الأهلية، للأسف، غير مجزية، ولا سيما مع الزيادة السنوية في أعداد الخريجين، خصوصاً خريجي الكليات والجامعات من خارج العراق”، متأسفاً من أن “تزايد أعداد التدريسيين أتاح لبعض الكليات الأهلية مساومتهم على الأجور، عبر وضعهم أمام خيار القبول بالراتب المتاح في ظل وجود أعداد كبيرة من المتقدمين للعمل”.
ويضيف الصادق، الذي يعمل حالياً في إحدى الجامعات الحكومية لكن سبق له العمل لمدة ثلاث سنوات في جامعات أهلية، أن “مشكلة الأجور لا تقتصر على قيمتها، بل تشمل انتظام صرفها، إذ تتأخر بعض الكليات الأهلية في دفع الرواتب من شهر إلى آخر، فيما تنهي عقود التدريسيين مع انتهاء الموسم الدراسي، ولا سيما خلال العطلة الصيفية، ثم تعيد التعاقد معهم مع بداية العام الدراسي الجديد، بهدف عدم دفع رواتبهم خلال فترة العطلة”.
ويشير إلى أن “بعض الكليات تربط دفع رواتب التدريسيين بتسديد الطلبة لأقساطهم، إذ تطلب منهم انتظار تسديد الطلبة قبل صرف مستحقاتهم، ما يحول العلاقة بين الجامعة والتدريسي إلى ما يشبه المقايضة”.
الضمان الاجتماعي
ويبين التدريسي، أن “التوسع في الكليات الأهلية لم يرافقه وجود قانون يفرض عليها رواتب محددة للتدريسيين أسوة بزملائهم في الجامعات الحكومية، وهذا الأمر دفع تدريسيين في الكليات الأهلية إلى المطالبة بتحسين أوضاعهم والاحتجاج من أجل الحصول على رواتب مجزية”.
ويرى الصادق، أن تحديد رواتب في الجامعات الأهلية تكون مقاربة لنظيرتها في الجامعات الحكومية من شأنه أن يوفر استقراراً أكبر للتدريسي ويجعله متمسكاً بفرصة عمله، داعياً الحكومة إلى الاهتمام بهذا الجانب ووضع قوانين تلزم الكليات الأهلية بتوفير أجور مقاربة لما يحصل عليه التدريسي في الجامعات الحكومية، بما يقلل المشكلات القائمة.
ويوضح، أن “مشكلة أخرى تتعلق بالضمان الاجتماعي، إذ إن كثيراً من الكليات الأهلية لا تستقطع أو لا تسدد مستحقات الضمان الاجتماعي للتدريسيين، وقد يكتشف التدريسي عند تقديم استقالته أو انتقاله إلى تعيين آخر أن الكلية لم تسدد عنه مستحقات الضمان، وهذه المشكلة يعاني منها كثير من التدريسيين”.
ظلم واستغلال
ويلفت الصادق، أن “وزارة التعليم العالي تحدد متطلبات وساعات العمل والملاك التدريسي للكليات، إلا أن بعض الجامعات الأهلية تعتمد أسماء تدريسيين من دون أن يمارسوا التدريس فعلياً، وتقدم أسمائهم ضمن ملاكاتها، رغم عدم وجود تواصل حقيقي بينهم وبين الجامعة، بل أن بعضهم يكون قد تقدم للتعيين فقط، ثم يظهر اسمه بوصفه تدريسياً في الكلية”.
ويستطرد، أن الكلية التي يفترض أن توفر، على سبيل المثال، 30 أو 40 تدريسياً قد تعتمد فعلياً على عشرة تدريسيين في القسم، ما يجعل عمل التدريسي الواحد مضاعفاً بما يعادل عمل عدد أكبر، فيما تدرج أسماء بقية التدريسيين ضمن الملاك من دون ممارسة فعلية للعملط.

