خاص شفقنا- بيروت -الفتوى التي صدرت من المرجعية في العراق من سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني بالجهاد الكفائي للوقوف بوجه الجماعات التكفيرية ، قلبت الموازين الاستراتيجية ، واستعادت المبادرة الى يد الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي ، التي تتشكل من مختلف اطياف الفصائل العراقية الوطنية.
ان هذه الفتوى ادت الى ان تكون محل اهتمام لدى اهم مراكز دراسات اوروبية واميركية ، لاهمية نتائجها وسرعة مفاعيلها في صدّ هجمات داعش المدعومة من عواصم عربية وغربية بل ليس الصدّ وحسب ، وانما البدء بالخطوات التي ادت الى دحر الدواعش من حول العاصمة بغداد ومن ثم تحرير تكريت وغيرها الى معارك الانبار الجارية .
بادئ ذي بدء ان الفتوى التي اقرت الجهاد الكفائي ، لم تكن موجهة للمسلمين الشيعة ، بدليل التزام شرائح عراقية واسعة من غير المسلمين الشيعة بمضامينها والانخراط في القوات المسلحة وفي تشكيلات الحشد الشعبي، كما كان لها الاثر البالغ لدى العشائر العراقية من المسلمين السُنة والشيعة على حد سواء، وهو ما اظهر اهمية التكاتف الوطني العراقي في مواجهة التكفير ، الذي لا يميّز بين أطياف الشعب العراقي.
الامر الثاني الذي يؤكد اهمية فتوى سماحة المرجع السيد علي السيستاني ، هي مساحتها الوطنية التي تمثلت في تطهير وتحرير اجزاء ومساحات جغرافية كبيرة من القرى والمدن العراقية ،وهي في” التعبير الطائفي ” مناطق ذات اغلبية سنية وليست شيعية، فيما كان عشرات الشهداء من المسلمين الشيعة يسقطون على هذه الارض ، وهو دليل اضافي ، على ان فتوى المرجعية بشكلها ومضمونها ، تنطوي على ابعاد وطنية ،وليست محصورة بالدفاع عن المدن المقدسة كالنجف الاشرف وكربلاء والكاظميين في بغداد وباقي المناطق الشيعية في العراق .
هنا لا بدّ من التوقف ولو هنيهة ، للاشارة الى ان الولايات المتحدة عمدت الى قيادة تحالف دولي بتمويل عربي لمحاربة داعش ولم تتمكن من تحقيق اي تغيرات جذرية في واقع الميدان وكانت التكلفة باهظة على ممولي هذه الحرب، ومع ذلك بقي داعش يسيطر على الارض.
من مؤسسة كارينغي الاميركية الى صحيفة نيويورك تايمز الى لجنة الدفاع والامن القومي في الكونغرس ،أجمعهم ذهلوا بنتائج فتوى المرجعية في الوقائع الميدانية العراقية، ولمسوا من خلال التقارير الاستخبارية والعسكرية سرعة تجاوب العراقييين بمختلف فصائلهم وانتماءاتهم وابلغوا هذه النتائج للادارة الاميركية التي بدورها ابلغتها الى حلفائها في العواصم العربية .
وقد ادت هذه التقارير الى اثارة حفيظة الدوائر الداعمة للتكفيريين ، فأوعزت الى وسائلها الاعلامية بتضخيم بعض التجاوزات التي حصلت من الحشد الشعبي ،من خلال حملة اعلامية قادتها مؤسسات مرئية ومقرؤة ومسموعة ومكتوبة تابعة لهذه العواصم لتشوية صورة الحشد الشعبي، الذي قدم الى اليوم مئات الشهداء حماية ودفاعاً عن كل العراقيين مسلمين ومسيحيين بل وصدرت مواقف من بعض مشايخ الازهر في مصر،مسيئة لهذا الحشد، والهدف هو مشروع مدروس لمصالح سياسية ومذهبية ، فقدتها عواصم في دول مجلس التعاون الخليجي ، بعد ان اخذ العراقيون المبادرة في تحرير الارض من الجماعات التكفيرية.
وكان سبق هجوم الازهر ، مواقف من مشايخ المذهب الوهابي في الممكلة السعودية استخدمت فيها كل اساليب الضخ المذهبي ،لكن جاءت النتائج خلافا للواقع الذي اظهر صورته الجلية في تحرير مدينة تكريت، وقبلها عشرات القرى العراقية، هذا في الوقت الذي قدمت المرجعية ارشادات واضحة للحشد الشعبي، حول كيفية التصرف في الحروب ، وما هو المباح وغير المباح.
في هذا الصدد كيف يرى بعض رجال الفكر وعلماء الدين المسلمين والمسيحيين من غير المسلمين الشيعة آثار فُتيا المرجع آية الله العظمى السيد علي السيستاني في الواقع العملاني.
المونسيور مونس
وحول الموضوع قال الاب بيار مونس في المبدأ هو الاحترام وكرامة الانسان وحريته و”غيريته”، الانسان هو مبدأ محترم لا يتطلب اي فتوى ولا موقف ولا رأي ، المبدأ الالهي ان الشعوب تحترم بعضها البعض،وتخرج من “ذئبيتها”.
ثانياً ، الاخلاقيات الكبرى هي طبيعة انجاد الفقير والوقوف الى جانب المسكين ، وقد كانت هذه الميزات اخلاقيات شرائع حمورابي والعقائد الاوغوراتية القديمة، ثم ياتي الدين، لا الذي وصفه باخ ولا ماركس،هو الدين الاخلاق ، ان هؤلاء التكفيريون قتلوا العقل العربي،فيما العقل هو الاساس للايمان والمعتقد.
اضاف الاب مونس ، ان الامر الذي طرحه المرجع الديني السيد السيستاني ،هو مبدأ هام جداً يجب ان نركز عليه في اخلاقياتنا ، لأن البربرية التي تحدث امر غير مقبول من القرآن الكريم الذي يرفضها ويحرّمها،وعندما تحدث المرجع السيد السيستاني طلب منك ان تحترم اخوك الانسان وتحترم دينة ومعتقداته وقبل كل شئ انسانيته.
وقال المونسيور مونس ان العرب لم يستطيعوا ان يتخلصوا الى اليوم ، من مأساة حرق مكتبة الاسكندرية الى اليوم فكيف سيتخلصون مما قد ما يكتبه التاريخ عن حرق المساجد والكنائس، والاعتداء على البشر، ان تحطيم التراث الانساني في العراق هوعودة الى زمن الغابات والجاهلية والتوحش ، ولا يحق لاي انسان ان يقتل اخيه الانسان ، اكان ستياً ام شيعياً ام مسيحياً او اشوريأً او كلدانياً ، وهذا الاخ سيصرخ دمه في وجهك دائما ، لذلك اكن كل الاحترام للسيد السيساني في مواقفه وما تحدث عنه.
الشيخ المصري
مسؤول العلاقات العلاقات العامة السابق في دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية، الشيخ شادي المصري قال، ان الفتاوى التي خرجت من كبار علماء المسلمين في النجف الاشرف في العراق او في الازهر في مصر كلها اكدت على ابتعاد هذه الجماعات التكفيرية عن الدين ، وانها عملت على تشويه ديننا الحنيف، دين الرحمة والمحبة والاحترام للبشر، ونحن دائما ننظر الى ان هؤلاء هم خوارج عصرنا ، الذين فتكوا بالمسلمين السنة اكثر مما فتكوا في المسلمين الشيعة ، وهم اعداء الاسلام قبل ان يكونوا اعداء الاديان الاخرى ، لذلك نرى ان مواجهتهم امر شرعي،لكن على الجهات التي تواجههم ان لا تقع بأخطاء وارتكابات خارجة على الدين ، وخارجة على الشرع الحنيف ، والا كيف ستواجه الله يوم القيامة بدماء الابرياء او في اعراضهم او اموالهم.
الخلاصة
في خلاصة القول ان فتوى المرجعية الدينية في العراق استطاعت وأد الفتنة وان حدثت اخطاء هنا اوهناك ، كما انها استطاعت ان تحقق ابعادها الوطنية العابرة لحدود الطوائف والمذاهب ، وهذا على ما يبدو ما ازعج البعض الديني والسياسي في المنطقة ، لذلك سلطوا الابواق الاعلامية والسياسية على هذه الفتاوى التي نجحت بأن يستعيد العراقيون المبادرة.
بقلم: ياسر الحريري

