شفقنا العراق-لم تعد كلفة التعليم الجامعي تقتصر على الأقساط الدراسية، إذ تضاف إليها أجور النقل والمستلزمات والرسوم والمتطلبات المعيشية، ما يدفع عائلات إلى الاستدانة أو العمل الإضافي لتأمين مستقبل أبنائها.
أصبح عبور الأبناء نحو عتبة الجامعات والكليات الأهلية في العراق هما سنويا يؤرق العائلات، بعد أن تحولت المقاعد الدراسية إلى سوق استثمارية تفرض شروطا مالية تعجيزية.
إذ لم تعد رحلة تأمين المقعد الأكاديمي مهمة يسيرة في ظل تجاوز الأقساط السنوية في بعض التخصصات الحيوية والطبية عتبة 6 و7 ملايين دينار، وهو رقم كبير يتجاوز بكثير الدخل السنوي الإجمالي لغالبية الأسر من ذوي الدخل المحدود والمتوسط، ما يضعها في دوامة من الديون والالتزامات الخانقة لمجرد منح أبنائها فرصة للتعليم.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الأقساط السنوية المليونية، إنما تمتد لتلتهم ما تبقى من ميزانية المنزل عبر سلسلة من المصاريف الرديفة الحتمية، بدءا من أجور النقل التي تستنزف مبالغ ثابتة، مرورا بأجور الملازم والمستلزمات والمعدات الدراسية، وصولا إلى المتطلبات المعيشية اليومية كالملابس والوجبات الغذائية، وهي تفاصيل تشكل مجتمعة فاتورة باهظة توازي أحيانا كلفة القسط الجامعي نفسه.
والمفارقة الأكثر مرارة – حسب مراقبين – هي أن هذا الاستنزاف المالي لم يعد حكرا على رواد التعليم الخاص وحسب، إنما زحف ليتغلغل داخل أروقة الجامعات الحكومية أيضا. فرغم الصبغة المجانية للتعليم الحكومي، يجد طلبته أنفسهم محاصرين بذات الأعباء الجانبية والمصاريف المعيشية اليومية المرهقة،
يُضاف إليها فرض رسوم إدارية وتقنية مستحدثة بين الحين والآخر، لتتلاشى شعارات المجانية أمام واقع يثبت أن مقاعد الدراسة الجامعية في العراق، بكل تصنيفاتها، أصبحت عبئا اقتصاديا ينهك العائلة.
ويكشف المشهد الأكاديمي الحالي في البلاد عن تحول بنيوي متسارع نحو خصخصة التعليم. حيث تشير البيانات الرسمية إلى طفرة غير مسبوقة في الاستثمار الأكاديمي الخاص، بعد أن قفز عدد الجامعات والكليات الأهلية إلى 103 مؤسسات، في مقابل 51 جامعة حكومية فقط.
ووفقا لمراقبين، فإن هذا الاختلال العددي يترجم انزياحا واضحا وانجذابا متزايدا من الطلبة وأسرهم نحو التعليم الأهلي، مدفوعا بسحر المعدلات المرنة التي تتيح للطلبة تحقيق حلم دراسة تخصصات واعدة، كالطب والهندسة، بمعدلات قبول أدنى بكثير مما تشترطه قنوات القبول المركزي الحكومي الصارمة.
تُضاف إلى ذلك عوامل الجذب المتمثلة في حداثة البنى التحتية للكليات الأهلية، وتوفر المستلزمات والمختبرات المتطورة، والاهتمام بنوعية الدراسة والبيئة التعليمية الجاذبة مقارنة بالجامعات الحكومية التي تعاني تقادم منشآتها وشح الدعم.
وتكشف أعداد المقبولين في الجامعات سنويا، عن حجم الطلب الكبير على التعليم العالي. ففي العام الدراسي 2025 – 2026، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قبول 185,416 طالبا وطالبة ضمن قنوات القبول المركزي.
إلا أن هذا التوسع الكمي الهائل نحو التعليم العالي، يصطدم بواقع أكاديمي مرير على الساحة الدولية. فالمفارقة الصادمة تكمن في الغياب الكامل والملحوظ لجميع الجامعات العراقية، الحكومية والأهلية على حد سواء، عن “تصنيف شنغهاي” الأكاديمي الشهير!
فاتورة مليونية سنوية
لم يعد التعليم الجامعي شأناً يخص الأبناء وحدهم، بل بات مشروعاً عائلياً يتطلب جهد الوالدين والأبناء معاً. ومن بين العائلات التي تعيش هذه المعضلة عائلة نجاة موسى.
فالأم الموظفة الحكومية، وجدت نفسها أمام فاتورة سنوية تبلغ 23 مليون دينار لتعليم ابنتها وابنها في كلية أهلية، من بينها 15 مليون دينار لرسوم ابنتها التي تدرس الطب، و8 ملايين دينار لرسوم ابنها الذي يدرس الصيدلة.
تقول نجاة أن دخلها ودخل زوجها لا يكفيان لتغطية هذه الالتزامات، خاصة مع ما يرافق الدراسة من مصاريف يومية وأجور نقل ومتطلبات أخرى. لذلك قرر زوجها ممارسة وظيفة ثانية بعد دوامه الرسمي. إذ بات يعمل في مجال التأسيسات الكهربائية في المساء وطوال أيام العطل والإجازات.
وتضيف قائلة أن “هذا العمل الإضافي لم يكن خياراً مطروحاً لو لم تكن هناك حاجة إلى توفير المال لتغطية تكاليف الجامعة. فالظروف دفعت بزوجي إلى هذا العمل الإضافي رغم التعب الذي يصيبه من ساعات العمل الطويلة، لأن مستقبل الأبناء يستحق التضحية”.

