شفقنا العراق-يرى ناشطون وخبراء بيئيون أن التحديات التي تواجه ميسان، من تراجع الأهوار والمياه إلى تداعيات النشاط النفطي، تجعلها من المحافظات الأكثر حاجة إلى مشاريع التكيف المناخي والرصد البيئي.
أثار استثناء محافظة ميسان من مشروع بيئي بقيمة 22 مليون دولار استياء مواطنين وناشطين، في ظل ما تواجهه المحافظة من تدهور بيئي طال الأهوار والمياه ومصادر رزق السكان، وسط مطالبات بمراجعة معايير اختيار المحافظات المستفيدة من المشاريع المخصصة لمواجهة آثار التغير المناخي.
احتجاج على استثناء ميسان.. «نحن متضررون أيضا»
وجاءت الاعتراضات عقب تصريح لوزيرة البيئة، سرورة عبد الواحد، أكدت فيه أن المشروع يستهدف محافظات الديوانية والبصرة والناصرية بوصفها «الأكثر تضررا»، فيما يرى مواطنون وناشطون في ميسان أن الواقع البيئي للمحافظة يستدعي شمولها بمثل هذه المشاريع.
وأثار الإعلان ردود فعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، إذ انتقد مواطنون وناشطون استثناء ميسان، فيما ذهب بعضهم إلى توجيه انتقادات إلى المسؤولين المحليين والنواب، والتشكيك في آليات إنفاق الأموال المخصصة للمشاريع البيئية ومدى انعكاسها على المحافظات المستفيدة.
الخبير البيئي أحمد صالح نعمة قال إن «منظمة الأغذية والزراعة العالمية وصندوق المناخ الأخضر منحا 22 مليون دولار، ما يعادل مليارا و300 مليون دينار للمحافظات الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية، وهي البصرة والديوانية والناصرية، فيما استُثنيت محافظة ميسان».
ووجه صالح رسالة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي وبقية النواب والمسؤولين، متسائلا: «ماذا يحدث أكثر مما يحدث الآن حتى تتمكنوا من اعتبار محافظة ميسان من المدن المتضررة بالتغيرات المناخية؟»، معتبرا أن ما يحدث يمثل «رسالة احتجاج» على الإهمال والإقصاء الذي يتعرض له سكان المحافظة.
وفي السياق ذاته، ينتقد الناشط البيئي من ميسان مرتضى الجنوبي ما وصفه بتجاهل محافظته في التصريحات الرسمية والمشاريع البيئية، مشيرا إلى أن المحافظة، التي تشكل جزءا أساسيا من بيئة الجنوب العراقي، كانت من أكثر المناطق تضررا من التدهور البيئي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع ما أصاب الأهوار والمجتمعات الريفية من أضرار متراكمة.
مشاريع نفطية وكوارث بيئية
ويقول الجنوبي إن الحديث عن الجنوب لا يمكن أن يستثني ميسان وكأنها منطقة منفصلة عن محيطها الجنوبي، إذ ترتبط أجزاء واسعة من المحافظة بالأهوار وبالمجتمعين الفلاحي والهواري، وهما مجتمعان عانيا طويلا من تراجع مصادر المياه والدخل وتدهور البيئة.
ويضيف أن الأهوار الشرقية، ولا سيما هور الحويزة المدرج ضمن قائمة التراث العالمي، تعرضت خلال السنوات الماضية للتجفيف وتحويل أجزاء منها إلى حقول نفطية ضمن جولات التراخيص، ما انعكس على حياة السكان ومواردهم.
ويؤكد أن تجفيف الأهوار أدى إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وبيئية متسلسلة، من بينها نفوق أعداد من الجاموس، وتراجع الثروة السمكية، وانحسار مصادر الدخل، فضلا عن ارتفاع الهجرة من مناطق الأهوار والريف باتجاه المدن.
ويشير الجنوبي إلى أن ميسان تشهد نشاطا نفطيا متزايدا، موضحا أن المحافظة تضم 6 حقول نفطية منتجة إلى جانب 6 حقول أخرى في طور الاستكشاف، ما يعني، بحسب وصفه، وجود تحديات بيئية مرتبطة بالمخلفات النفطية والغازات الناتجة عن النشاط النفطي والتوسعات التي طالت مناطق بيئية حساسة.
ويرى أن هذه التحديات تجعل حضور وزارة البيئة في المحافظة أكثر ضرورة، إلا أنه يقول إن «الوزارة لم تؤد، على مدى السنوات الأخيرة، الدور المطلوب في المتابعة والمراقبة والمحاسبة البيئية»، معتبرا أن ميسان لم تحصل على الاهتمام الكافي حتى في بعض المشاريع الدولية.
مشاريع التغير المناخي الوهمية
من جانبه، انتقد مصدر رفض الكشف عن اسمه ما وصفه بـ«مشاريع التغير المناخي الوهمية المعلن عنها من الجهات الرسمية ووزارة البيئة، والتي تطرح تحت عنوان تعزيز سبل العيش ومواجهة آثار التغير المناخي في جنوب العراق»، مؤكدا أنها «لا تنعكس بصورة على الواقع البيئي أو على حياة السكان المتضررين».
ويقول المصدر إن «الجهات الرسمية تخرج علينا بإعلانات رنانة عن إطلاق مشاريع جديدة لتعزيز سبل العيش المقاومة لتغير المناخ في جنوب العراق، لكن الواقع يروي قصة مختلفة متمثلة بهدر المال وتنفيذ مشاريع تخدم الجهات المانحة والمستفيدة، فيما تستمر البيئة العراقية بالتدهور».
ويضيف أن «المشاريع التي تنفذ تحت عنوان التغير المناخي تحتاج إلى مراجعة جدية، خصوصا في المحافظات الجنوبية التي تواجه آثارا متفاقمة للتغير المناخي والتدهور البيئي»، مشيرا إلى مشروع «محمية الطيب ضمن مشروع بلغت قيمته الكلية، مع محمية الدلمج، نحو 113 مليون دولار»، بحسب ما أورده.
وتساءل المصدر عن أوجه إنفاق الأموال ومدى انعكاسها الفعلي على البيئة والمجتمعات المحلية، قائلا إن «الأرقام المعلنة كبيرة، لكننا لا نرى نتائج تتناسب معها على أرض الواقع».
ماذا عن جدوى المشاريع؟
ويتابع أن «الأمر لا يختلف كثيرا في مشروع دعم سكان هور الحويزة الذي تقترب قيمته من مليون دولار، في وقت لم يحصل فيه سكان الهور الحقيقيون ومربو الجاموس على دعم حقيقي يوازي حجم التحديات التي يواجهونها».
وأكد أن المؤتمرات وورش العمل والشعارات لا يمكن أن تكون بديلا عن الإجراءات البيئية الفعلية، مضيفا: «البيئة تحتاج إلى إجراءات حقيقية وملموسة، لا مشاريع تملأ الأوراق والتقارير من دون أثر واضح على الأرض»، داعيا إلى مراجعة جدوى المشاريع التي تنفذ بملايين الدولارات والكشف بشفافية عن أوجه صرفها والنتائج التي حققتها.
وطالب المصدر الجهات المعنية بـ«الشفافية الكاملة في إدارة وتمويل مشاريع التغير المناخي وإخضاعها للتقييم والمساءلة، وتحويل الدعم النظري والمؤتمرات الشكلية إلى إجراءات عملية تنقذ ما يمكن إنقاذه من البيئة العراقية، وتحمي سكان مناطق الأهوار والجنوب الذين يتحملون الجزء الأكبر من آثار التدهور البيئي والتغير المناخي».

