شفقنا العراق-يمتلك العراق سيادة قانونية على ثروته النفطية، لكن إدارة عائداتها عبر النظام المالي المرتبط بالدولار تفرض قيودا على هامش حركته المالية.
وفي ظل استمرار اعتماد تجارة النفط العالمية على الدولار الأمريكي، تتجدد التساؤلات بشأن مدى قدرة العراق على إدارة موارده المالية باستقلالية، وما إذا كانت هناك خيارات واقعية تقلل من تأثره بالنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وضغوطها، واستغلال هذا الملف لفرض إملاءات.
قيود ونفوذ ضاغط
تُسعَّر صادرات النفط العراقية بالدولار الأمريكي، وتنتقل عائداتها عبر النظام المالي الدولي الذي يعتمد بصورة واسعة على العملة الأمريكية وشبكات المقاصة العالمية، وهو ما يمنح الولايات المتحدة نفوذاً مؤثراً في حركة التحويلات المالية المرتبطة بالدولار.
ويرى مختصون أن هذا الواقع لا يعني فقدان العراق سيادته القانونية على نفطه، لكنه يفرض قيوداً ناجمة عن هيمنة الدولار على التجارة العالمية والتزام المصارف العراقية بمعايير الامتثال الدولية.
وفي المقابل، يطرح خبراء بدائل يمكن أن تعزز الاستقلال المالي للعراق، من بينها تنويع العملات المستخدمة في بعض المبادلات التجارية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، بما يقلل من هشاشة الاقتصاد أمام المتغيرات والضغوط الخارجية، وتحديداً الأمريكية.
سيادة مالية منقوصة
ويمتلك العراق سيادة قانونية على مبيعاته النفطية، إلا أن سيادته الفعلية على عائدات تلك الصادرات لا تزال منقوصة، لأن الإيرادات النفطية مقوّمة بالدولار وتُدار عبر شبكة من الحسابات المرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ما يمنح الولايات المتحدة قدرة على التأثير في تدفقات الدولار إلى العراق، لا سيما خلال فترات التوترات السياسية والأمنية.
وشهدت البلاد في الفترة الماضية تقييداً لتدفقات الدولار النقدي، ما يظهر محدودية قدرة العراق على إدارة سيولته الدولارية بصورة مستقلة، ويجعل المالية العامة أكثر انكشافاً أمام التأثيرات الخارجية.
ضعف القطاع المصرفي العراقي
وبهذا الخصوص، يرى الباحث والاستشاري الاقتصادي زياد الهاشمي أن «بقاء عائدات النفط العراقية ضمن آلية الاحتياطي الفيدرالي لا يرتبط فقط بإدارة الإيرادات، بل يوفر كذلك مظلة حماية قانونية للأموال العراقية من المطالبات والدعاوى الدولية المتراكمة منذ عقود، والتي تعود إلى تداعيات الحروب والأزمات السابقة».
ويؤكد أن «الحكومة العراقية، في ظل إمكاناتها الدبلوماسية والقانونية والمالية الحالية، لا تمتلك القدرة الكافية على التعامل مع هذه الملفات، وبعضها لا يزال غير معلن وينتظر انتهاء الحماية الأمريكية ليُفعّل».
وتابع: «لذلك، فإن الإبقاء على الآلية الحالية يُعد الخيار الأكثر أماناً في المرحلة الراهنة، مع العمل بالتوازي على تنفيذ إصلاحات مالية ومصرفية تقلل تدريجياً من حجم الاعتماد على النظام المالي الأمريكي».
ويشير الهاشمي إلى أن «ضعف القطاع المصرفي العراقي يمثل أحد أبرز أسباب استمرار هذا الاعتماد، إذ تعاني العديد من المصارف من قصور في الامتثال والحوكمة والشفافية، فضلاً عن ضعف علاقاتها مع البنوك المراسلة الدولية، الأمر الذي يحد من قدرتها على الاندماج في النظام المالي العالمي».
ويؤكد أن خطة البنك المركزي لإعادة هيكلة القطاع، من خلال دمج أو تصفية المصارف الضعيفة، وزيادة رؤوس أموالها، وتعزيز الرقابة والإفصاح، وتوسيع علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية، تمثل خطوة ضرورية لبناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وثقة.
ويختتم الهاشمي حديثه بالتأكيد على أن أولويات العراق خلال العقد المقبل ينبغي أن تتركز على إصلاح المالية العامة، وتقليص الاعتماد على النفط بصورة تدريجية، وتوسيع الإيرادات غير النفطية، واستكمال إصلاح القطاعين المصرفي والمالي، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية، ولا سيما في قطاعات الكهرباء والنقل والموانئ، بالتوازي مع مواصلة مكافحة الفساد، والحد من الهدر المالي، وضبط الإنفاق الجاري، وإعادة النظر في سياسة التعيينات غير المدروسة التي أثقلت الموازنة العامة لأسباب سياسية وانتخابية.
الاستقلال المالي يُبنى على اقتصاد متنوع
ويؤكد الخبير الاقتصادي علي دعدوش أن «تقليل النفوذ المالي الخارجي لا يتحقق بالانفصال عن النظام المالي العالمي، وإنما من طريق بناء اقتصاد قوي ومتعدد الموارد، عبر تنويع القاعدة الاقتصادية، وزيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تنويع الشركاء الماليين والتجاريين، وتطوير أنظمة الدفع والتسويات المالية».
وينوّه دعدوش إلى أن «ضعف الثقة بالمصارف المحلية أدى إلى الاعتماد المفرط على النقد والدولار في المعاملات التجارية والادخار، الأمر الذي يعزز ارتباط الاقتصاد العراقي بالدورة المالية الأمريكية».
ويشدد أيضاً على أن تنويع الاقتصاد يمثل الطريق الرئيس لتعزيز استقلال القرار الاقتصادي، مؤكداً أن الاعتماد شبه الكامل على النفط يجعل الاقتصاد العراقي أكثر عرضة للتقلبات والمتغيرات الدولية.
وفيما يتعلق بالأولويات المستقبلية، يوضح أن العراق، إذا أراد خلال السنوات العشر المقبلة تعزيز استقلاله المالي وتقليل تأثره بالضغوط الخارجية، فعليه التركيز على خمسة محاور استراتيجية، تتمثل في تنويع مصادر الإيرادات العامة ورفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى ما بين 20 و30 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية.
ويتابع بالتشديد على إصلاح القطاعين المالي والمصرفي، وبناء نظام مصرفي حديث قادر على تمويل الاقتصاد الحقيقي، وتطوير قاعدة إنتاجية وصادرات غير نفطية توفر مصادر مستقرة للعملات الأجنبية، وإنشاء صندوق سيادي وتنمية الأصول الخارجية لحماية الاقتصاد الوطني والأجيال المقبلة، فضلاً عن تعزيز الحوكمة ومكافحة الفساد ورفع كفاءة الإنفاق العام بما يقلل الهدر ويحسن إدارة الموارد الوطنية.

