شفقنا العراق-رغم عودة ملايين العراقيين إلى مناطقهم الأصلية، لا تزال أسر أخرى عاجزة عن العودة بسبب تحديات أمنية وخدمية ومعيشية، ما يبقي ملف النزوح الداخلي من أبرز القضايا الإنسانية العالقة.
وأفادت المنظمة الدولية للهجرة في العراق بأنّ أكثر من مليون شخص ما زالوا نازحين داخلياً في البلاد، وأشارت إلى أنّ أعداداً من هؤلاء الذين اضطرّوا إلى ترك مناطقهم الأصلية ما زالت في حاجة إلى تحسين أوضاعها، والأمر سيّان بالنسبة إلى آخرين عادوا إلى مناطقهم بعد نزوح.
وتقع المناطق، التي ما زال أهلها نازحين عنها، في وسط العراق وغربه وشماله، من أبرزها جرف الصخر، والعوجة، والعويسات، والسعدية، وقرى نهر الإمام، وبني زيد.
وزارة الهجرة: نعمل على إعادة من تبقى من النازحين
في هذا الإطار، أكد وكيل وزارة الهجرة والمهجرين العراقية كريم النوري، أنّ ما ذكره رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة بشأن وجود أكثر من مليون نازح داخلياً “صحيح ودقيق”.
وقال النوري إنّ النازحين المتبقّين “موجودون في المخيمات وخارجها، ومن بينهم من استقرّ في إقليم كردستان العراق ومحافظات عراقية أخرى بعيداً عن مدنهم الأصلية”.
أضاف أنّ “ملفّ النازحين داخلياً ما زال يمثّل أحد الملفّات المهمّة التي تعمل الوزارة على معالجتها”، مبيناً أنّ الوزارة تواصل تنفيذ خططها الرامية إلى إعادة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
معالجة ملفّ النزوح لا ترتبط بعملية العودة فقط
وأوضح المسؤول العراقي أنّ عملية العودة “تجري وفقاً لخطط وبرامج تراعي الظروف الإنسانية والأمنية والخدمية في المناطق المستقبلة للعائدين”، مؤكداً أنّ وزارة الهجرة والمهجّرين حقّقت تقدّماً في ملفّ إعادة النازحين، فيما يتواصل العمل لمعالجة الأسباب التي تحول دون عودة ما تبقّى من الأسر إلى مناطقها الأصلية.
وأشار النوري إلى أن معالجة ملفّ النزوح “لا ترتبط بعملية العودة فقط، إنّما تتطلّب توفير بيئة مناسبة تضمن للنازحين حياة مستقرة بعد العودة”، من خلال معالجة احتياجاتهم الأساسية، ولا سيّما الخدمات والبنى التحتية وفرص الاستقرار والمعيشة.
وإذ أفاد النوري بأنّ وزارته تتابع أوضاع النازحين المتبقين وتعمل من أجل تحديد احتياجاتهم والعوائق التي تواجه عودتهم، شرح أنّ معالجة الملفّ تتطلب جهوداً مشتركة بين المؤسسات الحكومية الاتحادية والمحلية، إلى جانب الدعم المقدّم من المنظمات الدولية.
وشدّد على أنّ “العودة الآمنة والمستقرة والمستدامة تمثّل الهدف الأساسي لخطط وزارة الهجرة والمهجرين”، مبيّناً أن العمل لا يقتصر على إعادة الأسر إلى مناطقها، بل يمتد إلى ضمان قدرتها على الاستقرار وعدم العودة مجدداً إلى النزوح.
وتابع النوري، قائلاً إنّ الوزارة “مستمرّة في تنفيذ خططها الخاصة بإنهاء ملفّ النزوح، مع الأخذ بعين الاعتبار اختلاف ظروف النازحين من منطقة إلى أخرى”، والعمل لمعالجة الملفّات التي ما زالت تعرقل عودة عدد من الأسر، بالتوازي مع التعاون مع المنظمات الدولية والجهات ذات العلاقة.
استمرار النزوح تحدّ إنساني وحقوقي في العراق
من جهته، قال العضو السابق في مفوضية حقوق الإنسان في العراق أنس الراوي لـ”العربي الجديد” إنّ استمرار وجود أكثر من مليون نازح داخلياً في العراق “يمثّل تحدياً إنسانياً وحقوقياً يستوجب معالجة جادة ومستدامة، بعيداً عن الحلول المؤقتة”.
وأوضح الراوي أنّ معاناة النازحين “لا تقتصر على فقدان المأوى، بل تمتدّ إلى صعوبة الوصول إلى فرص العمل وسبل العيش”، مشدّداً على أنّ ضمان حقّ النازحين في العودة الآمنة والطوعية والكريمة يتطلب توفير بيئة مستقرّة.
أضاف أنّ هذه البيئة ينبغي أن تضمن للنازحين “السكن الملائم، وفرص كسب العيش، والتعليم والرعاية الصحية، فضلاً عن تسهيل استحصال الوثائق الثبوتية التي تمثّل شرطاً أساسياً للتمتّع بحقوق وخدمات عديدة”.
وشدّد الراوي على أنّ معالجة ملفّ النزوح “ينبغي ألا تقاس بعدد العائدين فقط، بل بمدى قدرتهم على الاستقرار والاندماج في مناطق العودة والعيش بكرامة وأمان”، داعياً الجهات الحكومية إلى وضع خطط واضحة ومتكاملة لمعالجة أسباب استمرار النزوح ودعم الأسر العائدة والنازحة.
ورأى ضرورة استمرار الدعم الدولي للعراق، بالتزامن مع جهود وطنية فاعلة تضمن حماية حقوق النازحين وتمنع تحوّل النزوح إلى حالة طويلة الأمد، مبيّناً أنّ إنهاء معاناة هذه الأسر “مسؤولية إنسانية وحقوقية مشتركة”.
أكثر من عقد على موجات النزوح الأولى
ويأتي ذلك في وقت ما زالت فيه قضية النزوح الداخلي واحداً من أبرز الملفّات الإنسانية والاجتماعية العالقة في العراق اليوم، بعد أكثر من 11 عاماً على موجات النزوح التي أعقبت اجتياح تنظيم داعش مساحات واسعة من البلاد في صيف عام 2014.
وما زالت أعداد من العائلات العراقية تقيم في مخيمات أو مساكن مؤقتة، وسط ظروف معيشية صعبة، فيما تواجه عودة عدد من الأسر عقبات تتعلّق بالوضع الأمني والخدمات والبنى التحتية وسبل العيش، فضلاً عن الأوضاع في المناطق الأصلية.
وكانت الحكومة العراقية قد حدّدت، في وقت سابق، موعداً لإنهاء ملفّ مخيمات النازحين عبر إغلاقها وإعادة سكانها طوعياً، فيما باشرت وزارة الهجرة والمهجرين إغلاق عدد من المخيمات، قبل أن تؤجّل الحكومة استكمال التنفيذ، معلّلة ذلك بالحاجة إلى تهيئة الظروف المناسبة على المستويَين الأمني والخدمي لعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.
وبينما تواصل الحكومة العراقية ووزارة الهجرة والمهجرين الحديث عن خطط لإنهاء ملفّ النزوح، تبرز الحاجة إلى معالجة الأسباب التي حالت دون عودة آلاف الأسر، وضمان أن تكون العودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، بما يمنع تحوّل النزوح إلى أزمة طويلة الأمد.

