شفقنا العراق-لا تقتصر مخاطر السباحة في الأنهار العراقية على الغرق، إذ يحذر مختصون بيئيون من تلوث المياه بمخلفات الصرف الصحي والصناعة والمستشفيات، فضلا عن زيادة تركيز الملوثات مع انخفاض مناسيب دجلة والفرات.
وتدفع أخبار حوادث الغرق المتكررة كثيرا من الآباء إلى تشديد الرقابة على أبنائهم، بل إن بعضهم اختار منعهم نهائيا من السباحة في الأنهار، خوفا من تكرار مآس شهدتها عائلات قريبة منهم.
وفي المقابل، لا تذهب جميع العائلات إلى حد المنع الكامل، لكنها تفرض رقابة وضوابط على أبنائها.
تحذيرات الداخليَّة
من جانبه، قال رئيس دائرة الإعلام والعلاقات في وزارة الداخلية اللواء مقداد ميري، إن ارتفاع درجات الحرارة يعد أحد أبرز أسباب زيادة حالات الغرق في العراق، مبيناً أن الوزارة كلفت الشرطة النهرية بتسيير دوريات في المناطق التي تشهد تجمعات للسباحة، والعمل على منع المواطنين من السباحة في الأماكن الخطرة وغير المخصصة لذلك.
وأضاف ميري أن الشرطة النهرية لديها فرق إنقاذ منتشرة في المناطق المختلفة، وتنفذ دوريات يومية، وتشهد بشكل مستمر حالات إنقاذ لأشخاص من الغرق، داعيا الشباب والمواطنين إلى تجنب السباحة في الأنهار، والتوجه إلى المسابح أو الأماكن المؤمنة والمخصصة للسباحة.
وأوضح أن القوات الأمنية تتعامل مع الأشخاص الذين يسبحون في المناطق غير المخصصة عبر منعهم وإخراجهم منها، مع توجيههم إلى أماكن أكثر أماناً، مشيرا إلى أن حالات الغرق لا تتركز في موقع محدد، وإنما تتكرر في مناطق مختلفة من نهري دجلة والفرات، ولا سيما الأماكن العميقة.
وأشار إلى أن وزارة الداخلية تنفذ حملات توعية وتحذير سنوية، خصوصاً قبيل فصل الصيف وخلاله، للتنبيه إلى مخاطر السباحة في الأنهار والدعوة إلى استخدام المسابح الرسمية والأماكن المؤمنة.
وفي ما يتعلق بالإحصائيات، أكد ميري أن الإحصائية الرسمية الكاملة لحالات الغرق لا يمكن تحديدها بشكل ثابت في الوقت الحالي، كون الأرقام متغيرة وتتجدد يوميا.
غير صالحة للسباحة
ومن زاوية بيئية، يحذر الخبير البيئي ورئيس مؤسسة جلجاموس للآثار والأهوار، أبو الحسن المسافري، من مخاطر السباحة في دجلة والفرات، مؤكدا أن مياه الأنهار في كثير من المناطق غير صالحة للاستخدام البشري المباشر بسبب مصادر التلوث المتعددة.
ويشير المسافري الى أن تصريف مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية ومخلفات المستشفيات في الأنهار يمثل أحد أبرز مصادر التلوث، محذرا من أن التعرض لهذه المياه قد يؤدي إلى أمراض جلدية، فيما يمكن أن يتسبب ابتلاعها أثناء السباحة بأمراض معوية.
ويزداد الخطر، بحسب المسافري، مع انخفاض مناسيب دجلة والفرات، إذ يؤدي تراجع كمية المياه وضعف جريانها إلى زيادة تركز الملوثات في مناطق معينة، ولا سيما بالقرب من مصادر تصريف مياه الصرف الصحي، الأمر الذي قد يحول بعض المواقع إلى مناطق شبيهة بالمستنقعات الملوثة.
ويلفت إلى أن آثار التلوث لا تقتصر على الإنسان، بل تظهر أيضا في نفوق بعض الأحياء المائية كالأسماك والسلاحف في المناطق المتأثرة، ما يمثل مؤشراً على تدهور البيئة النهرية.
ويستثني المسافري بعض المناطق الواقعة في أعالي الأنهار، مثل مناطق دخول دجلة والفرات إلى العراق، التي يرى أنها قد تكون أفضل نسبيا من ناحية نوعية المياه، داعياً في الوقت ذاته إلى عدم اعتبار الأنهار أماكن آمنة للسباحة ما لم تتوافر إجراءات السلامة والمراقبة وتحديد مناطق مخصصة للسباحة.
ويرى أن المسابح المؤهلة تبقى خيارا أكثر أمانا من الأنهار، لكونها تخضع لعمليات التعقيم والتصفية، فيما تستمر الشرطة النهرية في منع السباحة بالمواقع الخطرة، خصوصاً أن بعض المناطق النهرية تتميز بعمقها وقوة تياراتها، ما يضاعف احتمالات الغرق.
غياب البدائل
ويرى الباحث الاجتماعي ولي الخفاجي أن تكرار حوادث الغرق خلال مواسم الحر يرتبط بجملة من العوامل الاجتماعية والسلوكية، ولا سيما بين الفئات العمرية من 12 إلى 20 عاما، التي تميل، بحسب رأيه، إلى المغامرة وحب الظهور ومحاولة إثبات الذات أمام الآخرين.
ويضيف الخفاجي أن تأثير الأصدقاء والسلوك الجماعي يمثل عاملا آخر في دفع الشباب إلى السباحة في الأماكن الخطرة، إذ قد يجد الفرد نفسه منساقا وراء المجموعة خشية الظهور بمظهر المتردد أو غير القادر على مجاراتهم.
ويضيف أن غياب البدائل المجانية أو منخفضة الكلفة للسباحة يدفع بعض الشباب إلى التوجه نحو ضفاف الأنهار، ولا سيما دجلة وديالى، باعتبارها أماكن متاحة من دون رسوم، في ظل ارتفاع كلفة بعض المسابح الخاصة.
ويدعو الباحث إلى توفير مسابح آمنة مجانية أو بأجور رمزية، مع تفعيل دور أمانة بغداد ووزارة الشباب والرياضة في إنشاء مرافق للسباحة وتنظيم دورات تدريبية، فضلاً عن إشراك المدارس في توفير أنشطة وسفرات ترفيهية وتعليمية خلال العطل، بما يوفر للشباب بديلا آمنا عن السباحة العشوائية في الأنهار.

