شفقنا العراق-تخلق ندرة فرص العمل سوقا موازية تتاجر بوعود التعيين والمقابلات والتدريب مقابل الأموال، قبل أن يتبين للباحث عن العمل أن الوظيفة غير موجودة، فيما تمتد الخسائر إلى الوقت والفرص ورأس المال البشري.
تبدأ عملية البحث عن وظيفة برسالة على الهاتف وتنتهي بتحويل مالي لا يقابله سوى وعد وهمي، العملية برمتها تبدأ بإعلان يحمل اسم شركة معروفة يعد موظفيه براتب يبدو أعلى من المعتاد، وكل ما عليهم الدخول لرابط التسجيل، ثم تنفيذ بعض الخطوات (إجراءات) (مقابلة) و(تدريب) و(دفع بعض الرسوم) وبعد الدفع قد تختفي الجهة، أو يتبين أن الوظيفة لم تكن موجودة أصلا.
وبينما يبحث آلاف العراقيين عن منفذ إلى سوق العمل، تنشأ سوق أخرى على هامش هذه الحاجة، تبيع الوصول إلى الوظيفة قبل أن تبيع الوظيفة نفسها. المشكلة لا تقف عند خسارة مبلغ مالي.
فبعض هذه الإعلانات يطلب من المتقدم سيرته الذاتية ووثائقه وأرقامه وبياناته الشخصية، ما يفتح سؤالاً آخر عن مصير تلك المعلومات، فيما تستغل جهات أخرى أسماء شركات ومؤسسات حقيقية لإضفاء شرعية على عروضها. وبين الإعلان والضحية تقف صفحات ومكاتب ووسطاء ومنصات رقمية، بينما يبقى السؤال الأهم: من يراقب هذه السوق، وكيف تتحول البطالة من أزمة مواطن يبحث عن الخلاص منها إلى فرصة تجارية يستفيد منها آخرون؟
اقتصاد الوهم الوظيفي
لا تتوقف أزمة الباحثين عن العمل عند ندرة الفرص المتاحة، بل خلقت هذه الندرة سوقاً موازية انتعشت من حاجة المواطنين إلى الوظيفة، عبر وعود بالتعيين مقابل مبالغ مالية. ومع ارتفاع قيمة الوظيفة في ظل محدودية الفرص، يصبح الوعد بالحصول عليها بحد ذاته سلعة يمكن الاتجار بها، لتظهر ممارسات تتراوح بين السمسرة والاحتيال واستغلال النفوذ المزعوم.
بحسب الخبير الاقتصادي ضياء رحيم، فإن ندرة الوظيفة الحكومية أو الوظيفة الجيدة مقارنة بعدد الباحثين عنها “ترفع القيمة الاقتصادية للوعد بالوظيفة”، موضحاً أن قلة الوظائف تؤدي إلى ارتفاع البطالة، ومن ثم ارتفاع قيمة الوظيفة في نظر المواطن، الأمر الذي أفضى إلى ظهور سماسرة يعدون بالتعيين لقاء مبالغ مالية.
ويشير رحيم إلى أن الأمر (ليس مجرد تصور نظري) مستشهداً بإعلان جهاز الأمن الوطني العراقي في أيار 2025 تفكيك ثلاث شبكات متخصصة في وعود التعيين الوهمية.
ووفق ما أعلنه الجهاز، تضمنت إحدى الحالات استغلال موظفة لمنصبها وإيهام المواطنين بقدرتها على التعيين مقابل 6.5 ملايين دينار عن الشخص الواحد، فيما ضُبطت موظفة أخرى في بابل أثناء تسلمها 750 ألف دينار مقابل وعد بإصدار أمر إداري للتعيين.
ولا يحصر رحيم الخسارة الاقتصادية في الأموال التي يدفعها الضحية، مبيناً أن الباحث عن العمل يخسر، إلى جانب المبلغ المدفوع، تكلفة الوقت الذي قضاه في المراجعات والاتصالات والانتظار، فضلاً عن فرصة العمل البديلة التي ربما كان سيحصل عليها لو لم ينتظر الوعد الوهمي.
ومن هذا المنظور، يقسم رحيم الظاهرة إلى ثلاثة مستويات مترابطة: اقتصاد التوظيف الوهمي، واقتصاد الوساطة، واقتصاد الانتظار، معتبراً أن قياس حجمها لا ينبغي أن يتوقف عند حالات الاحتيال الفردية، وإنما يمكن بناء تقدير رقمي لحجم (اقتصاد الوهم الوظيفي) سنوياً، من خلال احتساب عدد الضحايا ومتوسط المبالغ المدفوعة، وإضافة تكلفة الوقت والبطالة والهدر في رأس المال البشري.
هكذا، لا تعود الوظيفة الوهمية مجرد عملية نصب تنتهي بخسارة مبلغ مالي، وإنما تتحول إلى سلسلة من الخسائر الاقتصادية تبدأ من المال، وتمتد إلى الوقت والفرص ورأس المال البشري.
خطر استباحة البيانات
لا تنتهي مخاطر الوظائف الوهمية عند خسارة المال أو اكتشاف أن فرصة العمل غير موجودة، إذ قد يكون ما يقدمه الباحث عن العمل من معلومات شخصية هو الهدف الحقيقي من الإعلان. فالسيرة الذاتية، ورقم الهاتف، وصورة البطاقة الوطنية، وغيرها من الوثائق، يمكن أن تتحول من متطلبات للتقديم إلى أدوات تستخدم في عمليات احتيال وانتحال هوية لاحقة
بحسب الخبير الأمني والسيبراني إيهاب عنان، فإن إعلانات التوظيف الوهمية المنتشرة على منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك تستغل أحياناً لبناء قواعد بيانات غنية بأسماء الباحثين عن العمل وأرقام هواتفهم وصور بطاقاتهم الوطنية، ثم تُباع هذه البيانات أو تُستخدم في حملات تصيد مخصصة وانتحال هوية.
ويشير عنان إلى أن البيانات قد تُستغل في فتح خطوط هاتفية أو قروض صغيرة باسم الضحية، فضلاً عن هجمات تبديل شرائح الهاتف، وعمليات (اعرف عميلك) الاحتيالية، وإنشاء هويات تركيبية، أو بيع المعلومات ضمن سلاسل احتيال لاحقة. ويحذر من أن خطورة الأمر تتضاعف عندما تُرفق ملفات خبيثة ضمن (نماذج التقديم)، إذ يمكن أن تُستخدم لتثبيت برمجيات تجسس أو فدية، فيما قد تصل المخاطر إلى الابتزاز باستخدام صور الوثائق الشخصية.
ضحايا الوهم
لم تكن الوعود المتداولة بشأن الوظائف الوهمية متشابهة في تفاصيلها، لكنها التقت عند استثمار حاجة الباحثين عن العمل وتحويلها إلى مدخل لاستنزاف أموالهم.
وبين من دفع مبلغاً صغيراً على أمل ضمان القبول، ومن طُلب منه مبلغ أكبر مقابل تأمين وظيفة، وآخر دفع رسوماً لشركة مقابل الوصول إلى مقابلة عمل، تكشف شهادات الضحايا عن أساليب متعددة تبدأ بوعد بسيط وتنتهي بخسارة المال أو اكتشاف أن الفرصة لم تكن موجودة.

