شفقنا العراق-يرى خبراء قانونيون أن التشريعات العراقية الحالية لا تواكب طبيعة التحريض عبر المنصات الرقمية، داعين إلى قانون خاص يحدد أركان الجريمة ويشدد العقوبات على المحرضين، خصوصا في الفضاء الإلكتروني.
ثغرات قانونية خطيرة
ويقول الخبير القانوني علي التميمي إن “الدستور العراقي وقانون العقوبات جرما التحريض الطائفي صراحة، إلا أن غياب قانون خاص رادع واتساع منصات التواصل الاجتماعي كشفا عن ثغرات خطيرة يستغلها بعض السياسيين للإفلات من المحاسبة”.
ويضيف، أن “المادة 7 من دستور جمهورية العراق لعام 2005 نصت على حظر كل كيان أو نهج يتبنى التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض عليه، فيما عاقبت المادة 200، الفقرة 2، من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس والغرامة، كل من حبذ أو روج لما يثير النعرات المذهبية أو الطائفية”.
ويتابع، أن “المشرع لم يكتف بذلك، إذ اعتبر قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 إثارة الفتنة الطائفية فعلاً إرهابياً، فيما تشدد المادتان 2 و4 من القانون العقوبة إذا اقترن التحريض بعمل إرهابي أفضى إلى القتل أو التخريب”.
تشريع قانون خاص
وفي ما يتعلق بمعوقات الردع الفعلي، يشير التميمي إلى عدم وجود “قانون منع التحريض الطائفي حتى اليوم، يحدد الجريمة بدقة ويشمل التحريض الإلكتروني”، مبيناً أن “تجارب دولية، من بينها قانون Public Order Act 1986 البريطاني، أثبتت جدوى وجود نص خاص يجرم خطاب الكراهية الدينية والعرقية حتى قبل تحوله إلى عنف”.
ويلفت إلى أن “المعوق الثاني يتمثل في الاستغلال السياسي، إذ تعتمد بعض الخطابات الموسمية قبيل الانتخابات على الشحن الطائفي من دون مساءلة حقيقية، رغم أن المادة 8 من قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 2015 تشترط على الحزب الالتزام بالدستور ونبذ الطائفية”.
ويردف، أن المعوق الثالث يتعلق بما وصفه بـ”الفراغ الرقمي”، موضحاً أن “المادة 200 وضعت قبل ظهور منصات فيسبوك وإكس وتيك توك، في حين أصبح التحريض اليوم عابراً للحدود، ما يتطلب نصوصاً تلزم المنصات بالحذف الفوري وتفرض غرامات على المحرض”.
وعن معالجة هذه الثغرات، يدعو الخبير القانوني إلى “تشريع قانون خاص يحدد أركان جريمة التحريض الطائفي، ويشدد العقوبة إذا صدر التحريض عن موظف عام أو مرشح انتخابي، مع فرض عقوبة تكميلية تتمثل في الحرمان من الترشح”.
جرائم الكراهية الرقمية
ويطالب التميمي بـ”تفعيل دور دائرة الأحزاب عبر تطبيق المادة 32 من قانون الأحزاب، التي تجيز حل الحزب المخالف لشروط التأسيس ومنع مشاركته في الانتخابات، فضلاً عن استحداث نيابة متخصصة ضمن الادعاء العام تعنى بجرائم الكراهية الرقمية وتضم خبراء لتتبع الأدلة الإلكترونية”.
ويشدد على “ضرورة التدريب القضائي ووضع معايير واضحة للتمييز بين حرية الرأي التي كفلتها المادة 38 من الدستور وخطاب الكراهية المجرم”، معتبراً أن “التحريض الطائفي ليس وجهة نظر سياسية، بل جريمة مركبة تهدد كيان الدولة، لذا معالجة الفراغ التشريعي لم تعد خياراً، وإنما استحقاق وطني لحماية النسيج الاجتماعي”.
اللعب بعواطف المواطنين
إلى ذلك، يقول الناشط السياسي عمر فاروق الطائي، إن “أي جهد للحد من خطابات الكراهية والتحريض والتقسيم، بكافة أشكالها وأنواعها، يعد محط ترحيب وإشادة، حتى لو اقتصر على مجرد تصريحات إعلامية بالضد منها”، معرباً عن أمله في أن “تؤدي اللجنة دوراً يعالج هذا الملف، وألا تكون كباقي اللجان السابقة التي أعلن عنها من دون أن يتغير شيء، بل ازداد الوضع سوءاً”.
ويضيف، أن “المنطقة تشهد اشتعالاً في الأحداث، فيما يعد العراق دولة تؤثر وتتأثر بما يدور في محيطها الإقليمي والعالم، ومع إفلاس العديد من القوى السياسية والتابعين لها، عادت محاولات تصدير خطاب العنف والكراهية والتحريض والتقسيم، بهدف اللعب على عواطف الناس والاستمرار في سياسة التجهيل”.
ويعتبر، الطائي أن “هذه المحاولات تأتي هروباً من المشكلات الأساسية وكسباً للوقت عبر اتخاذ خطوة إلى الأمام”.
ويأتي تشكيل اللجنة ضمن جهود تستهدف مواجهة الخطابات المحرضة على الفتنة والانقسام وتعزيز السلم المجتمعي والحفاظ على النسيج الوطني العراقي، لتنتقل مواجهة هذا النوع من الخطاب إلى مسار يجمع بين الرصد الأمني والإجراءات القانونية.
وبذلك، يضع الاجتماع الأول الخطوط العامة لمهمة اللجنة، لكن الاختبار الفعلي سيبدأ عند الانتقال من رصد الخطاب إلى تحديد حدوده القانونية ومحاسبة مروجيه، إذ ستكون قدرة اللجنة على تطبيق معايير واحدة على جميع الأطراف، من دون استثناء، العامل الذي يحدد ما إذا كانت ستتحول إلى أداة فعلية للحد من التحريض أم تبقى ضمن إطار اللجان والإجراءات المعلنة.

