شفقنا العراق-بين تعثر الحسم النهائي لملف السلاح وتشدد واشنطن في تطبيق عقوباتها على إيران، تواجه الحكومة العراقية ضغوطا متزامنة، فيما تؤكد قراءات سياسية أن إدارة الملفين تتطلب تحركا يحمي استقرار العراق ويجنب اقتصاده تداعيات الصراع الإقليمي.
أثار بيان ائتلاف إدارة الدولة، الصادر عن اجتماعه الأخير في 5 أيلول، والذي تضمن عبارة “ضرورة تجنيب العراق انعكاسات العقوبات الأمريكية”، تساؤلات كثيرة بشأن طبيعة الظروف التي قد تدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض عقوبات على العراق، مع غياب تحديد الالتزامات المطلوبة من الائتلاف الحاكم في العراق لتجنب هكذا سيناريو، وقدر تعلقه بعملية حصر السلاح أو الالتزام بالضغوط الاقتصادية الأمريكية المفروضة على النظام الإيراني، وتحذير الدول من أن تصبح متنفساً اقتصادياً لإيران.
مواقف “تذوب” في ملف جامد!
وفي اجتماعه قبل الأخير، بتاريخ 6 آب، أكد ائتلاف إدارة الدولة دعمه لجهود الحكومة في ملف حصر السلاح بيد الدولة، ودعا إلى الالتزام بالتوقيتات لإنجاز هذه الخطوات قبل موعد انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق في 30 أيلول، فيما أوضح أن التعامل مع هذا السلاح بعد هذا الموعد سيكون وفق قانون مكافحة الإرهاب.
وبعد أيام على البيان، تراجعت حدة التعامل مع هذا الملف، واستمرت بالتراجع وصولاً إلى غياب وضع توقيتات محددة وواضحة لعملية حصر السلاح، فضلاً عن تغيير مضامين الملف إلى تنظيم السلاح، وتشكيل لجنة من داخل الإطار التنسيقي لبدء حوارات مع الفصائل الرافضة تسليم سلاحها، وانتهت الحالة إلى تحديد موعد انسحاب قوات التحالف بدايةً للحوارات الرسمية.
في نهاية آب، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن بدء عملية “المنبوذ الاقتصادي”، وهي حملة حصار مالي واقتصادي واسعة وغير مسبوقة تستهدف خنق شرايين إيران المالية وعزلها تماماً عن النظام المالي العالمي، وإيقاف التراخيص وتحويلات الأموال التي تبقي النظام الإيراني متصلاً بالخارج، وتخيير الدول بين قطع علاقاتها المالية بطهران أو مواجهة العزلة.
وبالعودة إلى بيان ائتلاف إدارة الدولة الأخير، تظهر ملامح التعاطي مع هذه الأحداث، من دون الإشارة إليها بشكل مباشر، حيث أشار البيان إلى أهمية الحفاظ على استقرار العراق وسيادته ومصالحه العليا، وضرورة تجنيبه انعكاسات العقوبات الأمريكية التي تُفرض على بعض الدول، حيث يمر العراق بظرف مالي صعب لا يحتمل المجازفة، وهي إشارة قد تبدو واضحة إلى هشاشة وضع العراق المالي وعدم قدرته على ربط مصيره اقتصادياً بإيران، في وقت تسيطر فيه الولايات المتحدة الأمريكية على حركة الأموال العراقية.
ملفان غير مرتبطان لعقوبات واحدة!
الرئيس التنفيذي لمجموعة المعهد المستقل للإدارة ودراسات المجتمع المدني، الباحث منقذ داغر، يرى أن ملف العقوبات الأمريكية على الدول المتعاونة مع إيران منفصل عن ملف حصر السلاح، رغم أن مخرجات الملفين ترتبط بالعقوبات.
ويضيف أن “ملف العقوبات الأمريكية على كل الدول التي تتعاون مع إيران أو لا تلتزم بالعقوبات الأمريكية المفروضة عليها، هو ملف منفصل عن ملف السلاح، وليس مرتبطاً به. هذا الملف يختص بالعلاقات الاقتصادية مع إيران، وليس بالعلاقات الميليشياوية أو العسكرية معها”.
ويعتقد داغر أن “التحذير الذي أشار إليه ائتلاف إدارة الدولة يأتي في محله”، ويبين أن “من المتوقع أن يكون العراق من بين أكثر الدول التي يُسلَّط عليها الضوء، إلى جانب الإمارات، باعتبارهما رئة اقتصادية مهمة للاقتصاد الإيراني المحاصر”.
ويتساءل الباحث: “من جانب آخر، فإن إدارة الدولة هي التي تدير هذه الدولة، أو المفترض أنها الائتلاف المسؤول عن إدارتها، فلمن تُوجه الرسالة بشأن تجنيب العراق ارتدادات وانعكاسات العقوبات؟ هم أصحاب القرار، وهم الذين يقررون”.
ويشير إلى أن “ملف السلاح، إذا لم يُحسم، سيضيف نقطة أخرى، لكنهما ملفان منفصلان. وفي كلا الحالتين، سواء تم الخرق في هذا الملف أو ذاك، سيواجه العراق عقوبات قوية”.
خطوات متقدمة وبيانات ساخنة!
من جهته، يقول رئيس المركز العراقي للتنمية الإعلامية، عدنان السراج، إن “البيان الأخير لائتلاف إدارة الدولة يميل إلى تجنب الخوض في هذه المسألة، لأنه يعتقد أنها حساسة، وقد تم الاتفاق عليها بتكليف الحكومة العراقية بالمضي قدماً فيها”.
ويذكر أن “الحكومة لديها وجهة نظر في هذه القضية، وهي أن اليوم الأول من الشهر العاشر سيكون موعداً لانتهاء العملية وإعلان حصر السلاح بيد الدولة. وهناك إجراءات تقوم بها الحكومة بالتنسيق مع اللجنة التي شُكّلت من الإطار التنسيقي”.
ويعتقد السراج أن “هناك خطوات متقدمة، بالتزامن مع سخونة البيانات الصادرة عن الفصائل، لأن اللقاءات تتم بشكل متصل ومستمر بين اللجنة الثلاثية، وكذلك بين مجلس القضاء الأعلى ومجلس القوى الفاعلة في الحكومة والفصائل، من أجل الوصول إلى حلول لهذه القضية”، في وقت يتصور فيه “أن الملف أمام حل يوفر الاستقرار للعراق ويمنع حالة التشنج في الساحة، على أساس أن القضية عراقية بحتة ولا دخل لأي جهة أخرى فيها”.
ويكمل أنه “أما بالنسبة إلى العقوبات الأمريكية وغيرها، فهذه التهديدات مستمرة منذ فترة طويلة، ولا أعتقد أن الدولة غافلة عن هذه المسألة. وهي تتعامل مع القضية بعناوينها المحلية، وتحاول معالجتها بشكل تدريجي، وبطريقة لا تستفز الطرف الآخر”.
ويتصور السراج أن “قناعة أطراف الدولة بأن الوضع إيجابي وأن الأمور تسير بشكل صحيح لا تزال قائمة، كما أن تعهدات الحكومة التي حصلت عليها من القوى السياسية لدعمها في هذا المجال لا تزال قائمة”، ويشير إلى أن “بيان ائتلاف إدارة الدولة كان واضحاً جداً في عدم الخوض في هذه المسألة، وهذا لا يعني عدم الاهتمام، وإنما يعني أن المساعي التي تجري في هذا الاتجاه إيجابية وتسير بشكل جيد”.

