شفقنا العراق-تواجه منظومة التسجيل الانتخابي فجوة كبيرة بين انتشار البطاقة الوطنية الموحدة وامتلاك البطاقة الانتخابية البايومترية، إذ يقدر عدد العراقيين غير الحاصلين على بطاقة انتخابية بنحو تسعة ملايين، ما يعزز الدفع نحو اعتماد الرقم الوطني والبيانات المدنية في العملية الانتخابية.
تتقدم الاستعدادات لانتخابات مجالس المحافظات المقبلة من بوابة شديدة الحساسية، بعد توجيه رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي باعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة، في خطوة قد تنهي تدريجيا الاعتماد الحصري على البطاقة الانتخابية البايومترية، وتعيد بناء قاعدة الناخبين على سجل أوسع يشمل ملايين العراقيين الذين لا يمتلكون حتى الآن بطاقة انتخابية تخولهم الاقتراع.
ولا يتوقف أثر التوجه الجديد عند تسهيل مشاركة الناخبين. فاعتماد البطاقة الوطنية يفتح سلسلة من الملفات القانونية والفنية المتعلقة بالجهة التي ستدير قاعدة البيانات، وآلية نقلها من وزارة الداخلية إلى المفوضية، وكيفية تحويل سجل مدني شامل إلى سجل انتخابي موزع على مراكز ومحطات الاقتراع، فضلا عن الخلاف بشأن ما إذا كان الانتقال إلى النظام الجديد يحتاج إلى تعديل قانون الانتخابات أم يمكن تنفيذه استنادا إلى النصوص النافذة.
وكان الزيدي قد وجه، خلال اجتماع مشترك بين المفوضية ووزارة الداخلية في 25 آب، باعتماد البطاقة الوطنية الموحدة في الانتخابات المقبلة وتوفير البيانات والمعلومات اللازمة للمفوضية.
ومنذ ذلك الحين انتقل الملف إلى مرحلة التنفيذ الفني؛ إذ عقدت المفوضية في 31 آب ورشة متخصصة بمشاركة وزارة الداخلية ومسؤولين حكوميين، قبل أن تتسلم في 3 أيلول بيانات تجريبية لـ50 موظفا لإجراء محاكاة عملية لاستخدام البطاقة الوطنية في الاقتراع واختبار المتطلبات الفنية والإجرائية اللازمة.
وتمنح هذه الخطوات القضية ثقلا يتجاوز الجانب الفني، خصوصا مع تقديرات انتخابية بوجود نحو تسعة ملايين عراقي لا يمتلكون بطاقة انتخابية بايومترية، في مقابل انتشار واسع للبطاقة الوطنية الموحدة.
تسعة ملايين خارج البطاقة
يقول سعد الراوي، نائب رئيس مجلس مفوضية الانتخابات الأسبق إن نحو تسعة ملايين ناخب ما زالوا، بعد قرابة 12 عاما من اعتماد النظام الحالي البايومتري، من دون بطاقة انتخابية بايومترية تمكنهم من الاقتراع.
ويعزو الراوي جزءا من المشكلة إلى آلية إصدار البطاقة نفسها، موضحا أن تحديث البيانات يجري عبر 1079 مركزا، ثم تجمع وترسل إلى بغداد ومنها إلى الشركة المتعاقد معها خارج العراق، ما قد يجعل انتظار البطاقة يمتد لأكثر من شهرين أو ثلاثة، وقد يصل إلى ستة أشهر. أما تكرار مراجعة الناخب للمركز من دون تسلم بطاقته، فقد أدى في رأيه إلى عزوف بعض المسجلين عن العودة لاستلامها،
مشيرا إلى أن أكثر من مليون بطاقة، حتى في مراحل سابقة، لم يتسلمها أصحابها. ويقدر الراوي ما أنفق على بناء هذا السجل خلال 12 عاما بنحو مليار دولار، من دون أن يبلغ سجلا شاملا ولا جدولة معلنة لإكماله.
وفي المقابل، يقدر نسبة العراقيين الذين يمتلكون البطاقة الوطنية الموحدة بنحو 98 في المئة، قياسا بنحو 70 أو 71 في المئة يمتلكون البطاقة الانتخابية البايومترية، وهو فارق يرى أنه قد يفسر التوجه نحو تغيير قاعدة بيانات الناخبين بهدف إشراك عدد أكبر في التصويت.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأن التعديل الثالث لقانون الانتخابات رقم 4 لسنة 2023 أبقى إعداد سجل الناخبين مرتبطا بقاعدة بيانات البطاقة التموينية مع تحديثها في مراكز تسجيل الناخبين.
هل يحتاج الأمر إلى تعديل القانون؟
تظهر هنا إحدى نقاط الخلاف القانوني في الملف، وهي نقطة يقف فيها ثلاثة آراء لا رأيان. فالراوي يقول إن القانون النافذ يشير إلى التصويت وفق البطاقة الإلكترونية البايومترية، بينما يذهب رأي إلى اعتبار البطاقة الوطنية الموحدة بطاقة إلكترونية بايومترية أيضا، ولذلك يرى أن المسألة تحتمل معالجة تفسيرية إذا تحقق اتفاق عليها، أو تعديل النص صراحة إذا اتجه القرار السياسي إلى ذلك.
ويذهب هوكر جتو، رئيس شبكة شمس لمراقبة الانتخابات، إلى ما هو أبعد. فهو يقول إن الأمر «لا يحتاج إلى تشريع قانوني جديد؛ لكون التشريع القائم يتضمن نصا يحث المفوضية على بذل الجهود بالتنسيق مع الحكومة العراقية لاعتماد البطاقة الوطنية».
ويذكّر بأن فكرة اعتماد البطاقة الوطنية بدلا من البايومترية وردت في تعديل قانون الانتخابات السابق، وأن المطالبات بالاقتصار على بطاقة واحدة تعود إلى عام 2021.
من يمتلك بيانات الناخبين؟
غير أن القضية الأكثر حساسية قد تبدأ بعد اتخاذ القرار باستخدام البطاقة الوطنية، بدلا من البطاقة البايومترية.
ولا يرى جتو في اعتمادها تحديا بحد ذاته، بالنظر إلى انتشارها الواسع وما تحتويه من بيانات بايومترية، لكنه يضع سؤالا أساسيا: من ستكون لديه السيطرة على قاعدة البيانات؟
ويقول جتو إن القانون يجعل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الجهة الرسمية المعنية بالعملية، بينما توجد خوادم وقاعدة بيانات البطاقة الوطنية والتحكم بها لدى وزارة الداخلية، وهو ما يطرح قضية كيفية تسليم هذه البيانات إلى المفوضية وحدود الصلاحيات بين المؤسستين. ويشير إلى وجود أمر صادر من رئيس الوزراء يقضي بتسليم تلك البيانات إلى المفوضية، غير أن مدى إمكانية التسليم تظل في تقديره الإشكالية القائمة.
وهذه المخاوف تتزامن مع شروع المؤسستين فعليا في العمل المشترك. ففي آخر اجتماع معلن للمفوضية تقرر تخصيص ضباط فنيين من مديرية الأحوال المدنية للعمل في مقرها والشروع بتزويدها بالبيانات، تمهيدا لإجراء المحاكاة على الأجهزة الانتخابية.
لكن نقل البيانات وحده لا ينتج سجلا انتخابيا جاهزا.
فجتو يوضح أن قاعدة بيانات البطاقة الوطنية لم تصمم أساسا وفق الهيكل الانتخابي الذي يقسم الناخبين على المراكز والمحطات، ما يستدعي معالجة تقنية وبرمجية قبل استخدامها في الانتخابات، فيما يرتبط الزمن اللازم لإنجاز العملية بالشركات والبرامج التي ستنفذ عملية النقل والمواءمة.
أما احتمال التلاعب والتزوير، فيردّه جتو إلى السياسة لا إلى الوثيقة، ويقول إن الأمر «مرهون بالمراد والتوجه السياسي؛ فإذا وجدت رغبة سياسية في تزوير الانتخابات، فسيتم ذلك بأساليب وطرق مختلفة، ولن يكون الأمر محصورا بالبطاقة وحدها».

