شفقنا العراق-تكشف أزمة الأرصفة عن تنافس متزايد على الفضاء العام، مع نقص المواقف النظامية وتوسع الأنشطة التجارية والعمرانية، ما يدفع المشاة إلى حافة الطريق ويجعل معالجة التجاوزات مرتبطة بإعادة تصميم المدينة وتوفير البدائل.
لم تعد ارصفة بغداد تؤدي دورها بوصفها مساحة مخصصة للمشاة بعد ان تحولت في كثير من المناطق إلى مواقف للسيارات وواجهات لعرض البضائع، وأحيانا امتدادات للمنازل والمحلات التجارية. وبينما تتسع شوارع المدينة للمركبات تضيق المساحات المتاحة أمام المشاة ليجدوا أنفسهم مضطرين لمشاركة الطريق مع السيارات، هذا مشهد يعكس أزمة أوسع في إدارة الفضاء العام والتخطيط الحضري.
أنسنة المدن
يقول د. بلال سمير، متخصص في هندسة العمارة، أن الأرصفة تمثل جزءا اساسيا من الفضاء العام في المدينة ولا يمكن النظر اليها بوصفها مجرد مساحة هامشية على جانبي الطريق، بل باعتبارها جزءا من منظومة الحركة والتفاعل التي تشكل الحياة اليومية للانسان.
ويوضح سمير أن أغلب منظري المدن يقسمون المدينة إلى مكوّنين رئيسيين المباني أو النسيج الحضري والمعماري من جهة، والفضاء العام من جهة أخرى. فالمباني الخاصة تستخدم للسكن أو لأداء وظائف مختلفة، مثل الأنشطة التجارية والإدارية، بينما يقضي الإنسان جزءا كبيرا من حياته في الفضاء العام حيث يتفاعل مع الآخرين وينتقل من مكان للاخر ويتنزه ويمارس مختلف أنشطته اليومية.
ويشير الى ان الفضاء العام يتكون بصورة أساسية من محاور الحركة إلى جانب الفضاءات المفتوحة كالحدائق والساحات.
الاعتماد المتزايد على السيارات
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأرصفة باعتبارها جزءا من محاور الحركة المخصصة للمشاة، إلا أن التجاوز عليها سواء من قبل الأبنية السكنية او الأنشطة التجارية وغيرها، أدى لتقليص لمساحة المتاحة أمام الإنسان في المدينة.
ويؤكد سمير أن هذه التجاوزات دفعت السكان الى الاعتماد المتزايد على السيارات في تنقلاتهم، حتى عند الانتقال بين أماكن متقاربة.
ويرى أن هذا الواقع يتعارض مع الاتجاهات الحديثة في التخطيط الحضري، التي تركز على مفهوم أنسنة المدن، أي جعل الإنسان محورا للحياة الحضرية، وتوفير بيئة تسمح له بالحركة والاستمتاع بالمدينة من دون أن تكون السيارة شرطاً أساسياً لذلك.
ويضيف أن ما يحدث في العديد من المدن هو عكس هذا التوجه إذ تحولت المدينة تدريجيا لفضاء تهيمن فيه السيارة على حساب الإنسان، فيما أصبحت الأرصفة، التي يفترض أن تكون مخصصة للمشاة، مواقف للسيارات، ولا سيما في كثير من الأحياء السكنية.
ويضع هذا الواقع المشاة أمام خيارين صعبين إما السير في الشارع، بما يعرضهم لمخاطر الحوادث، أو استخدام السيارة للوصول إلى أماكن قد تكون قريبة جداً ويمكن الوصول إليها سيراً على الأقدام.
ويربط د. سمير انتشار هذه التجاوزات بضعف الرقابة، معربا عن أمله في أن تسهم عودة الجهات المعنية في بغداد إلى تفعيل الرقابة وتشديد الإجراءات في الحد من هذه الظاهرة.
ويشيد بالحملات الجارية لإزالة التجاوزات عن الأرصفة، باعتبارها خطوة يمكن أن تسهم في استعادة الفضاء المخصص للمشاة وتعزيز حضور الإنسان في المدينة.
ثقافة الأمر الواقع
وفي هذا السياق، يؤكد ليث علي، اختصاص هندسة طرق، أن “أزمة الأرصفة في المدن تحولت الى معضلة بنيوية تتداخل فيها ثقافة التجاوز مع غياب صارم للرادع القانوني”.
ويشير علي إلى أن “الكثير من الشوارع صممت بمسارات ضيقة تفتقر لمعايير السلامة الحديثة التي تجعل المشاة أولوية وليست خيار ثانوياً”.
ويرى ان “ظاهرة قضم الأرصفة وتحويلها لمساحات تجارية او غرف ومصاطب أمام المنازل ليست مجرد مخالفات عابرة، بل تحولت إلى ثقافة أمر واقع”؛ فأصحاب المحلات يستغلون الأرصفة كواجهات عرض للبضائع لجذب الزبائن، بينما يرى بعض أصحاب الدور السكنية في المساحة الممتدة أمام منازلهم غنيمة لتوسعة المداخل أو بناء كراجات مغلقة.
ويوضح علي هذه الجزئية بالقول إن “التجار وأصحاب المنازل يتعاملون مع المساحة العامة وكأنها ملك صرف، متجاهلين أن الرصيف هو الشريان الأساسي لحماية الأرواح”.
ويبين علي أن “المعالجة لا تحتاج فقط لجرافات تقودها حملات إزالة موسمية تفتقر للاستدامة، بل تتطلب ثورة في التخطيط الحضري”.
ويقترح علي تصميم هندسي جديد يعتمد على أرصفة ذات مرتفعات وحواجز ذكية تمنع صعود المركبات او استغلالها تجاريا دون ان تشكل عقبة أمام ذوي الاحتياجات الخاصة.
ويؤكد ان “تحويل الارصفة لأملاك شخصية وتجارية ليس مجرد تجاوز على القانون بل هو انتهاك صريح لحق الإنسان في التنقل بأمان”.

