شفقنا العراق-تواجه المالية العراقية ضغوطا متزايدة مع ارتفاع الإنفاق على الأجور والتقاعد، في وقت لم يتمكن فيه القطاع الخاص من توفير البديل المطلوب، ما يبقي سوق العمل مرتبطا بقدرة الدولة وإيرادات النفط.
على مدى عقود، لم تتعامل الحكومات العراقية وخلفها القوى السياسية، مع أزمة البطالة بوصفها مشكلة اقتصادية تستدعي حلولاً مستدامة، وغالباً ما لجأت إلى الوصفة الأسهل والأسرع: التوظيف الحكومي. خريجون يحتجون، فتأتي وعود التعيين؛ محافظات تطالب بفرص العمل، فتُفتح الدرجات؛ والشارع يزداد غضباً، فتعود القوى السياسية إلى سلاحها التقليدي: وظيفة مقابل تهدئة.
لكن هذا الحل لم يقترب حتى من جذور المشكلة وراكمها. فكل وجبة تعيين جديدة أضافت التزامات مالية دائمة، تثقل كاهل الدولة وموازنتها، في وقت لم تُبنَ فيه بالتوازي قاعدة اقتصادية وقطاع خاص قادر على إنتاج وظائف حقيقية خارج مؤسسات الدولة.
بديل الإصلاح
الأخطر هو أن القوى السياسية لم تستخدم التوظيف الحكومي كجسر مؤقت نحو اقتصاد منتج، إذ حولته تدريجياً إلى بديل عن الإصلاح نفسه الذي لطالما كان مطلباً جماهيرياً رفعته الحركة الاحتجاجية.
فبدلاً من بناء قطاع خاص قوي، وتحفيز الاستثمار، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخلق سوق عمل قادر على استيعاب الشباب والخريجين، جرى توسيع باب الدولة حتى أصبحت الوظيفة الحكومية في نظر ملايين العراقيين الخيار الأكثر أماناً، بل الخيار الوحيد في كثير من الأحيان.
وقد تكون الوظيفة الحكومية نجحت في بعض المراحل في تهدئة الشارع وامتصاص الغضب، لكنها لم تعالج أسبابه.
وعلى العكس، كرّست اعتماداً متزايداً على الدولة، ووسّعت فاتورة الرواتب، وأبقت الاقتصاد أسيراً للنفط، لتتحول المعادلة من حل مؤقت للبطالة إلى أزمة مؤجلة.
إنفاق لا يمكن خفضه واقتصاد هش
وتشير أحدث المؤشرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبيانات المالية لعام 2026، الى أن فاتورة الرواتب والمعاشات التقاعدية في العراق تسير نحو الاستحواذ على 54 في المائة من إجمالي الإنفاق الحكومي بحلول عام 2030.
فيما تجاوزت الكلفة الشهرية لتغطية الرواتب تجاوزت حاجز 8 تريليونات دينار عراقي (ما يعادل 6.25 مليارات دولار شهرياً)، وهو رقم قياسي جاء نتيجة موجات التوظيف الحكومي الواسعة، لا سيما في القطاع الصحي والمؤسسات المقرة ضمن الموازنة الثلاثية.
ووفق بيانات صندوق النقد، ارتفع الإنفاق على الأجور الحكومية من 53.2 تريليون دينار في 2023 إلى 60.8 تريليون دينار في 2024، أي زيادة بنحو 7.7 تريليون دينار خلال سنة واحدة. كما ارتفع الإنفاق على التقاعد من 15.1 إلى 17.8 تريليون دينار.
وفي العام 2024 سجل العراق عجزاً مالياً قدره 15 تريليون دينار، أو 4.2 في المائة من الناتج المحلي، بعدما كان العجز 4.1 تريليون دينار فقط في 2023، وهنا ربط صندوق النقد تدهور العجز بشكل أساسي بارتفاع الإنفاق على الأجور والتقاعد.
وحذر الصندوق من أن هذا التوسع الوظيفي خلق “إنفاقاً صلباً” لا يمكن خفضه، ما يرفع درجة انكشاف الاقتصاد العراقي وهشاشته أمام أي هبوط مفاجئ في أسعار النفط العالمية، نظراً لغياب مصادر التمويل البديلة وتوقف نمو القطاع الخاص.
استقراراً سريعاً ويؤجل الأزمة
من جهته، قال المتخصص بالشأن الاقتصادي علي دعدوش إن التوظيف الحكومي في العراق تحول تدريجياً من أداة اقتصادية لمعالجة البطالة إلى وسيلة لاحتواء الضغط الاجتماعي وتحقيق الاستقرار السياسي، ولا سيما في ظل ضعف القطاع الخاص واعتماده بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي.
واضاف دعدوش أن الدولة باتت تمتص أعداداً كبيرة من الداخلين إلى سوق العمل عبر الرواتب الحكومية، بدلاً من خلق وظائف إنتاجية مستدامة، محذراً من خطورة استمرار هذا النموذج، مع ارتفاع معدلات بطالة الشباب وتزايد أعداد العاملين في القطاع العام بوتيرة لا تتناسب مع قدرة الاقتصاد على تمويلها.
وأشار إلى أن فقدان الدولة قدرتها المالية على مواصلة التوظيف لن تكون تداعياته مالية فقط، وإنما اجتماعية أيضاً، نظراً لاعتماد ملايين الأسر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإنفاق الحكومي، مبيناً أن أي انخفاض حاد في أسعار النفط أو اتساع في العجز المالي سيضع هذا النموذج أمام اختبار حقيقي، في ظل وصول فاتورة الرواتب إلى مستويات مرتفعة ضمن الإنفاق العام.
وأضاف أن استمرار القوى السياسية في إعادة إنتاج نموذج التوظيف الحكومي يعود إلى كونه يحقق استقراراً سياسياً واجتماعياً سريعاً، في حين أن إصلاح القطاع الخاص وبناء اقتصاد منتج يحتاج إلى سنوات، لافتاً إلى أن ضعف التخطيط والتنفيذ والفساد أسهمت في عرقلة نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة وقدرتها على توفير فرص العمل.
وأكد دعدوش أن الاستمرار بهذا النهج يعني تأجيل الأزمة وليس حلها، مشدداً على حاجة العراق إلى الانتقال من نموذج “دولة توزع الوظائف” إلى “دولة تصنع فرص العمل”، عبر إصلاح بيئة الأعمال، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي للعاملين في القطاع الخاص، وربط الإنفاق العام بالاستثمار والإنتاج.
وحذر من أن استمرار الدولة بوصفها صاحب العمل الأول سيجعل أي أزمة في سوق النفط تنعكس سريعاً على الوضعين المالي والاجتماعي في البلاد، داعياً إلى تغيير النموذج الاقتصادي قبل أن تتحول الصدمات النفطية إلى أزمات واسعة تمس قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

