شفقنا العراق-مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، تتجدد مشكلة نقص الأبنية المدرسية في العراق، لكن أولياء الأمور والمعلمين يلفتون إلى تحد آخر لا يقل أهمية يتمثل في جودة التعليم والمهارات التي يكتسبها الطلاب ومدى استعدادهم لمتطلبات سوق العمل والتكنولوجيا.
وتفيد تقارير وبيانات رسمية بأن النقص في عدد المدارس يراوح بين سبعة وثمانية آلاف مدرسة، وأن العراق يحتاج إلى أكثر من عشرة آلاف مدرسة لفك الاختناقات بالكامل، وتدارك تأثيراتها السلبية الكبيرة على الطلاب وأعضاء الهيئات التدريسية، وجميعهم يحتاجون إلى بيئة تعليم تتلاءم مع متطلبات التطوير المعرفي وصولاً إلى مستقبل واعد وأكثر نجاحاً في ميادين العمل.
يتحدث المشرف التربوي يونس الدليمي عن أن “عدد المدارس التي بُنيت أو رُممت خلال السنوات الأخيرة كان كبيراً، لكن الحاجة إلى أخرى لا يزال قائماً، ويعتبر مشكلة تؤرق الكوادر التدريسية والطلاب وأهاليهم في العديد من المناطق، لذا يجب أن تستمر خطوات المعالجة باعتبارها ضرورية جداً لتدارك السلبيات، وهذا ما تعمل له وزارة التربية التي كانت أعلنت في فبراير/ شباط الماضي بناء وترميم 5679 مدرسة خلال السنوات الأخيرة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن العراق يحتاج إلى نحو عشرة آلاف مدرسة لفك الاختناقات في المحافظات.
وفي تقرير سابق حول التعليم في العراق، أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، إلى أن “عقوداً من الصراع وقلّة الاستثمار في التعليم ألحقت أضراراً كبيرة بالنظام التعليمي العراقي والبنى المدرسية، ولا يرتبط التحدي بالمدارس بالمباني فقط، بل أيضاً بإعادة تأهيل الموجود منها وتوفير الخدمات الأساسية، لكن حتى في حال توفير المدارس أو حصول اكتفاء بالمباني في بعض المناطق، لا يعني ذلك أن البيئة التعليمية أصبحت ملائمة لأن مشاكل أخرى لا تزال قائمة”.
عبء على المعلم
ويقول المدرّس محمد عباس، إنه “في بعض الصفوف يصل عدد الطلاب إلى 40 أو 50، وهذا عبء على المعلم يجعل متابعة الفروق الفردية بين الطلاب ومعالجتها في شكل ملائم أكثر صعوبة، وأيضاً على المرشدين والإداريين الذين يتعرضون لضغوط كبيرة. ومن بين التحديات أيضاً توفير المياه والصرف الصحي والكهرباء والمختبرات والمرافق الرياضية ووسائل السلامة، وهذه خدمات ضرورية تؤثر مجتمعة في قدرة المدارس على توفير بيئة تعليمية مناسبة”.
وفي ما يخص أولياء الأمور ليس النقص في عدد المدارس القضية الأكثر أهمية، بل ما يخرج به الطالب بعد سنوات الدراسة. يقول زهير البدري، وهو أب لثلاثة طلاب يتوزعون بين المرحلتين الابتدائية والثانوية، إن “ضعف جودة التعليم ومخرجات التعلم ربما هو التحدي الأهم، لأنه لا يظهر بمجرد النظر إلى عدد المدارس. قد يكون لدينا عدد أكبر من المقاعد والطلاب داخل الصفوف، لكن السؤال المطروح ماذا يتعلم الطالب فعلياً؟ وهل يملك في نهاية مراحل التعليم المختلفة المهارات التي يحتاج إليها في وقت يشهد العالم قفزات في التكنولوجيا؟ الجواب كلا، ويجب على الأسر أن تبذل جهداً أكبر كي يكتسب أولادها المهارات اللازمة، ومنها الدخول في دورات لتقوية اللغة الأجنبية واستخدام الكومبيوتر وغيرها”.
وتبرز مشكلتا الدوام المزدوج والثلاثي باعتبارهما نتيجتين مباشرتين للفجوة بين عدد الطلاب وعدد المباني المتاحة. ويعاني أهالي الطلاب هذه المشكلةَ كثيراً، ويقول محمد العبيدي، وهو معلم وأب لطالبتين في المرحلة الابتدائية: “الدوام الثلاثي يساعد الدولة على استيعاب أعداد أكبر، لكنه يضغط على المعلمين والإدارات والمرافق، ويقلّل الوقت المتاح للتعلم، كما يفرض ضغوطاً إضافية على الطلاب وأسرهم”.
يضيف : “تزداد حساسية المشكلة في المرحلة الابتدائية، حيث يحتاج الطفل إلى وقت كافٍ للتعلم والراحة والتفاعل، فالسنوات الأولى لا تقتصر على اكتساب القراءة والكتابة، بل تشمل مساعدة الطفل على تطوير مهاراته اللغوية والاجتماعية والمعرفية. لقد عانيت كثيراً ولا أزال أعاني مع طفلتيَّ، وأسأل كيف يمكن أن يحصل طفل على هذه التجربة إذا كان يعاني من ضيق المكان، أو لا يجد مقعداً مريحاً، أو ينتقل من درس إلى آخر وسط وقت محدود للراحة؟”.
وتجبر هذه المشكلات وغيرها عائلات كثيرة على أن تضغط على ميزانياتها لتوجيه جزء منها إلى المدارس الخاصة التي بات العديد من أولياء الأمور يعتبرونها الحل الأمثل.

