شفقنا العراق-تتزايد الضغوط على إدارة السيولة في العراق مع استمرار هيمنة الإيرادات النفطية وارتفاع حجم النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي، في وقت لا يزال فيه الإنفاق الاستثماري محدودا مقارنة بالنفقات الجارية.
وقالت سوزان عبدالله محمد، المديرة العامة للهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، إن “إدارة السيولة تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة صعوبة الحصول المباشر على التدفقات المالية”، مشيرة إلى أن طبيعة الاقتصاد العراقي المعتمد على الإيرادات النفطية تجعل انتظام تدفق الأموال إلى الخزينة عاملاً أساسياً في تمويل الإنفاق والوفاء بالالتزامات العامة.
إنفاق يغلب عليه الطابع الجاري
وأوضحت محمد، أن إجمالي النفقات العامة خلال الربع الأول من 2026 بلغ نحو 28 تريليون دينار (نحو 21.5 مليار دولار).
وبحسب الأرقام التي أوردتها، استحوذت النفقات الجارية على 95% من إجمالي الإنفاق، بما يقارب 26 تريليون دينار، فيما لم تتجاوز النفقات الاستثمارية 4%، أي قرابة 1.1 تريليون دينار. وأضافت أن تعويضات الموظفين استحوذت على أكثر من 59% من النفقات الجارية، بقيمة تقارب 15 تريليون دينار، من أصل 26 تريليون دينار. (دولار = 1310 دنانير عراقية).
وتشير هذه الأرقام، وفق المعطيات التي عرضتها المسؤولة، إلى محدودية الحيز المتاح للإنفاق الاستثماري مقارنة بحجم المصروفات الجارية، ما يزيد ارتباط السيولة العامة بانتظام الإيرادات النفطية.
النفط يهيمن على الإيرادات
وأظهرت بيانات الهيئة التي عرضتها محمد، استمرار هيمنة الإيرادات النفطية على المالية العامة. فقد بلغت الإيرادات النفطية 95 تريليون دينار في 2021، و154 تريليونا في 2022، و125 تريليونا في 2023. وارتفعت الإيرادات النفطية إلى 128 تريليونا في 2024، قبل أن تتراجع إلى 112 تريليون دينار في 2025.
وفي المقابل، ظلت الإيرادات غير النفطية عند مستويات أدنى، إذ بلغت 14 تريليون دينار في 2021، ثم تراجعت إلى 8 تريليونات في 2022، قبل أن ترتفع إلى 10 تريليونات في 2023، و13 تريليونا في 2024، و17 تريليوناً في 2025.
أكدت محمد أن تعزيز الاستدامة المالية يتطلب تطوير أدوات لتحليل الإيرادات النفطية وقياس حساسية الموازنة لتقلبات أسعار الخام، بما يسمح بتقييم قدرة المالية العامة على تحمل الصدمات الخارجية، بدلاً من الاكتفاء برصد قيمة الإيرادات السنوية.
تحسن الإيرادات الجمركية
وأشارت المسؤولة إلى تحسن الإيرادات الجمركية، التي ارتفعت من نحو تريليون دينار في 2023، إلى تريليوني دينار في 2024، ثم إلى 2.5 تريليون دينار في 2025.
وقالت إن “الإيرادات الجمركية سجلت المستوى نفسه حتى نهاية يونيو/حزيران 2026”. وعزت هذا التحسن إلى تشديد الرقابة، وتطبيق نظام “أسيكودا” الجمركي، وتفعيل قانون التعرفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010، إلى جانب تقليص الإعفاءات وأتمتة الإجراءات.
وبحسب تصريحاتها، ساعدت هذه الإجراءات على رفع كفاءة التحصيل والحد من التهريب والتلاعب، مع استمرار الحاجة إلى توسيع الإيرادات غير النفطية لتخفيف الضغط عن المالية العامة.
أموال كثيرة خارج المصارف
وفي ما يتعلق بالنقد المتداول قالت لبنى أنور صائب العطار، عضو مجلس محافظي سوق العراق للأوراق المالية، أن بيانات البنك المركزي العراقي حتى يونيو/حزيران 2026 أظهرت بلوغ إجمالي النقد المصدر 111.2 تريليون دينار.
وأفادت البيانات نفسها بأن النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي بلغ 101.97 تريليون دينار، ما يعادل 91.7% من إجمالي النقد المصدر.
وتطرح هذه الأرقام تحدياً إضافياً أمام السلطات النقدية، إذ إنّ بقاء الجزء الأكبر من النقد خارج المصارف يحد من قدرة الجهاز المصرفي على توجيه الأموال إلى الائتمان والاستثمار، ويضعف دور القنوات المالية الرسمية في تمويل النشاط الاقتصادي.
النفط بوابة لتنويع الاقتصاد
ورأى مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي أن الضغوط الحالية تكشف حاجة العراق إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على السيولة النفطية إلى اقتصاد قادر على توليد الأموال من مصادر متنوعة.
وقال صالح إن “الاحتياطيات المالية قادرة على امتصاص الصدمات لفترة محدودة”، مؤكداً أن تنويع مصادر الدخل يمثل الوسيلة الأكثر استدامة لتقليل الاعتماد على الاحتياطيات والإيرادات النفطية.
وأضاف أن “توجيه جزء أكبر من عائدات النفط إلى البنية التحتية المنتجة والصناعة والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا ورأس المال البشري يمكن أن يرفع قدرة الاقتصاد على توليد السيولة والعملات الأجنبية، خاصة عند تعرض القطاع النفطي لاضطرابات”.
اختبار مضيق هرمز
واعتبر صالح أن اضطرابات مضيق هرمز تمثل اختباراً لقدرة العراق على إدارة السيولة والاستقرار النقدي والمالي واستمرار التجارة والصادرات النفطية. ووفقاً لتصريحاته، فإنّ الاختبار الأهم سيظهر بعد انتهاء الأزمة، عندما يتعين على البلاد معالجة مواطن الضعف التي كشفتها اضطرابات تدفقات النفط والتجارة.
وحذر المستشار المالي من أنّ عودة الاقتصاد إلى نمطه السابق بعد انتهاء الأزمة ستعيد إنتاج المشكلات نفسها عند وقوع أي صدمة جديدة. ودعا إلى تحويل الضغوط الحالية إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر تنوعاً في الإيرادات والإنتاج والتصدير.

