شفقنا العراق-تبدو المقاربة الحكومية لملف السلاح أمام تحول تدريجي من الحديث عن حصره بيد الدولة إلى البحث عن صيغ لتنظيمه واحتوائه.
ويرى مراقبون، أن المهلة المرتبطة بخروج القوات الأمريكية قد تفتح باباً لتسوية تفاوضية طويلة، لكنها في الوقت ذاته تضع الدولة أمام اختبار حاسم لسيادتها وقدرتها على فرض القانون، فيما يحذر آخرون من أن الإخفاق في احتواء الملف قد يدفع العراق إلى مفترق بين ترسيخ الدولة وتكريس واقع اللادولة.
مأزق كبير
وتعقيباً على ذلك، يقول الخبير الأمني مخلد حازم إن “عدم تعاطي الفصائل المسلحة مع توجه الحكومة ورغبتها، إلى جانب الإرادة السياسية والمجتمعية، في حصر السلاح بيد الدولة وجعله خاضعاً لقرارها وسلطة القانون، يدخل البلاد في مأزق كبير، ويفتح الباب أمام تحديات واضحة المعالم”.
ويضيف، أن “الإطار التنسيقي يدرك حجم هذه التحديات وما يمكن أن تؤول إليه عملية الإصرار على إبقاء السلاح خارج إطار الدولة، لأن استمرار هذا الوضع يعني إضعاف الدولة ومكانتها وسيادتها، فضلاً عن أنه يعكس، بصورة أو بأخرى، عدم الاعتراف الكامل بوجود الدولة ومؤسساتها”.
ثم يؤكد أن “هذا الأمر يواجه رفضاً داخلياً قبل أن يكون موضع اعتراض خارجي، فالتطلع الحقيقي يجب أن ينصب على أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة العراقية، وعلى تعزيز مؤسساتها وحماية مفهوم المواطنة وسيادة القانون”.
تفاهمات مرنة
من جهته، يقول الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي، إن “الأوضاع في العراق تتجه، مع اقتراب موعد 30 أيلول، نحو تفاهمات أكثر مرونة، بدلاً من الذهاب إلى مسار تصادمي قد يفاقم التعقيدات السياسية والأمنية”.
ويضيف، أن “طرح نوري المالكي مفهوم تنظيم واحتواء السلاح، بدلاً من نزعه، يظهر استراتيجية تستهدف تفادي إحراج الفصائل الرافضة للتسليم، والعمل على استيعابها ضمن أطر رسمية وقانونية، بما يؤشر في الوقت ذاته إلى تراجع لغة التهديد والوعيد لصالح مقاربة أكثر هدوءاً في إدارة هذا الملف”.
ويتابع، أن “وصول القائم بالأعمال الأمريكي الجديد ستيفن فاجن، بما يمتلكه من خبرة في ملفات المنطقة، يعكس رغبة واشنطن في إدارة هذا الملف عبر المسار الدبلوماسي، مع التركيز بصورة خاصة على ضبط الأسلحة النوعية، بدلاً من الدفع نحو مواجهة مباشرة”.
حساسية أيلول
ويشير التميمي إلى أن “مجمل هذه التحركات يسهم في تفريغ مهلة أيلول من حساسيتها المرتبطة باحتمالات المواجهة، ويمهد، في المقابل، لمسار تفاوضي طويل قد يهدف إلى الحفاظ على استقرار الحكومة، ومنح الفصائل مساحة للاستيعاب القانوني ضمن الدولة، بعيداً عن الصدام المباشر”.
ويرى، أن “المشهد الراهن يبدو أقرب إلى إعادة ترتيب قواعد التعامل مع ملف السلاح عبر التفاهم التدريجي، وهو مسار قد يطيل أمد المفاوضات، لكنه في الوقت نفسه يتيح للقوى السياسية والأطراف المعنية البحث عن تسوية تقلل كلفة المواجهة وتحافظ على تماسك المشهد العراقي”.
تراجع ملحوظ
وشهد الموقف السياسي في العراق تراجعاً ملحوظاً في حدة الخطاب المتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما انعكس بوضوح على غياب هذا البند الحساس عن البيانات الرسمية الصادرة عقب الاجتماعات الأخيرة للإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة.
ويبدو أن اللجنة الثلاثية التي شكلها الإطار التنسيقي للتفاوض مع الفصائل المسلحة الرافضة لتسليم سلاحها (مثل حركة النجباء وكتائب حزب الله) وصلت إلى نقطة حرجة. إذ أعلنت تلك الفصائل رسمياً تمسكها بـ “سلاح المقاومة” ورفضها القاطع للتخلي عنه أو ربطه بمدد زمنية.
كما نسفت تصريحات أقطاب الإطار التنسيقي، ولا سيما نوري المالكي، السردية الحكومية المتشددة؛ حيث أشار في لقاء تلفزيوني نهاية الأسبوع الماضي، إلى أن لغة التهديد انتهت، وجرى استبدال مفهوم “نزع السلاح” بمصطلحات مرنة مثل “تنظيم واحتواء السلاح” أو تسجيله شكلياً لتفادي أي صدام مسلح داخلي.

