شفقنا العراق-لم تعد درجات الحرارة المرتفعة في العراق مشكلة صحية للعاملين فحسب، بل تحولت إلى عامل يضغط على ساعات العمل والإنتاجية في قطاعات الإنشاء والصناعة والزراعة وغيرها.
إنها فاتورة لا تظهر دائماً في أرقام الموازنة، لكنها تبدأ من ساعة عمل ضائعة، وتمر بإنتاج مؤجل أو متراجع، وتنتهي بكلفة اقتصادية تتراكم مع كل موجة حر.
ومن هنا، لم تعد موجات الحر قضية صحية تخص العاملين فقط، بل تحد للإنتاج وسوق العمل والاقتصاد العراقي، يفرض سؤالاً واضحاً: كيف يواجه العراق في كل سنة صيفاً يهدد بإبطاء عجلة الإنتاج؟
بلد يغلي
الخبير البيئي سمير عبود يبين أن “الدول المتقدمة تتعامل مع موجات الحر بوصفها تحدياً صحياً وإدارياً، إذ تضع خططاً تأخذ بنظر الاعتبار تأثير ارتفاع درجات الحرارة في مختلف مفاصل الحياة، بما في ذلك الأعمال الميدانية، من خلال تعديل ساعات الدوام وتطبيق إجراءات وقائية تقلل من المخاطر على العاملين”.
ويشير عبود إلى أن “درجات الحرارة في العراق متقاربة بشكل عام، إلا أن المحافظات الجنوبية والمناطق الصحراوية تسجل المعدلات الأعلى، إذ تتصدر محافظات مثل البصرة وميسان وذي قار خلال فصل الصيف قوائم المناطق الأعلى حرارة على المستويين الإقليمي والعالمي”.
ويحذر عبود من أن “العراق يواجه تحديات مناخية متفاقمة بفعل التغير المناخي العالمي، وزحف التصحر، وتراجع المساحات الخضراء، وارتفاع الانبعاثات الملوثة، إلى جانب النمو السكاني في مناطق محددة وغياب برامج بيئية فاعلة للتكيف مع هذه المتغيرات”.
ثم يقول أن “شح الموارد المائية واستمرار تدهور الغطاء النباتي يجعلان من ارتفاع درجات الحرارة مستقبلاً احتمالاً كبيراً، ما يتطلب وضع استراتيجيات وطنية للتخفيف من آثار التغير المناخي وحماية السكان والقطاعات الإنتاجية”.
الغاضبة الصفراء
أما مدير قسم الصحة العامة في دائرة صحة بغداد/ الكرخ الطبيب الاستشاري رائد خليل محمد، فيقول: إن “التعرض المباشر والمستمر لأشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة لساعات طويلة يعرّض العاملين لمخاطر صحية متعددة تبدأ بالجفاف نتيجة فقدان السوائل والأملاح مع التعرق، وقد تتطور إلى التشنجات الحرارية والإجهاد الحراري، وصولاً إلى ضربة الشمس التي تُعد من أخطر المضاعفات وقد تشكل تهديداً مباشراً للحياة”.
كما يلفت إلى أن “التعرض المزمن لأشعة الشمس قد يسبب حروقاً جلدية ويرفع احتمالية الإصابة بسرطان الجلد على المدى البعيد، فضلاً عن تفاقم الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والكلى والسكري، إلى جانب حالات الإغماء الناتجة عن انخفاض ضغط الدم أو نقص السوائل”.
ويبين محمد الفارق بين الإجهاد الحراري وضربة الشمس، موضحاً أن “الإجهاد الحراري يتميز عادة بارتفاع حرارة الجسم إلى أقل من 40 درجة مئوية مع استمرار التعرق بغزارة، ويكون الجلد بارداً ورطباً، فيما تقتصر الأعراض غالباً على الصداع والضعف العام والدوار، أما ضربة الشمس فتحدث عندما ترتفع حرارة الجسم إلى 40 درجة مئوية أو أكثر، ويتوقف التعرق أو يقل بشكل ملحوظ، ويصبح الجلد حاراً وجافاً، وقد يصاب المريض بتشوش في الوعي أو هذيان أو تشنجات أو فقدان للوعي، ما يجعلها حالة طبية طارئة تتطلب تدخلاً فورياً”.
ويشير إلى أن “التعامل الأولي مع حالات الإجهاد الحراري يبدأ بنقل المصاب إلى مكان بارد أو مظلل، وتخفيف الملابس، وتزويده بالماء أو محلول الإماهة الفموية إذا كان واعياً، مع تبريد الجسم باستخدام الماء البارد أو الكمادات أو المراوح، ومراجعة المؤسسة الصحية إذا لم تتحسن الحالة خلال نصف ساعة أو ازدادت الأعراض سوءاً”.
الحل بالوقاية
ويؤكد مدير قسم الصحة العامة أن “الوقاية تبقى الوسيلة الأهم للحد من الإصابات المرتبطة بالحرارة”، داعياً العمال إلى “شرب المياه بشكل منتظم حتى دون الشعور بالعطش، وارتداء الملابس الخفيفة والفاتحة والفضفاضة، واستخدام القبعات وواقيات الشمس والنظارات الواقية، مع أخذ فترات راحة دورية في أماكن مظللة أو مكيفة، وتجنب الأعمال الشاقة خلال ساعات الذروة، والإبلاغ المبكر عن أي أعراض كالدوار أو الصداع أو الغثيان”.
مخاطر مهنية
بدوره يقول الخبير الاقتصادي دريد الشاكر العنزي إن “موجات الحر الشديدة لم تعد مجرد ظاهرة موسمية، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في بيئة العمل والإنتاج، ما يستوجب تطبيق إجراءات تنظيمية تراعي سلامة العاملين واستمرارية النشاط الاقتصادي”.
ثم يشير إلى أن “العديد من دول العالم تعتمد أنظمة خاصة بإدارة العمل خلال موجات الحر، تتضمن تقليص ساعات العمل أو إيقافها مؤقتاً عند بلوغ درجات الحرارة مستويات خطرة، حفاظاً على صحة العاملين وتقليل المخاطر المهنية”.
ويؤكد العنزي، أن “القطاعات الإنتاجية، ولا سيما المصانع والمعامل والمواقع الإنشائية والقطاع الزراعي، هي الأكثر تأثراً بموجات الحر، ما يتطلب اعتماد خطط عمل مرنة تراعي ظروف الطقس، مثل تعديل أوقات الدوام، أو منح فترات راحة إضافية خلال ساعات الذروة، بدلاً من الاستمرار بالعمل وفق الجداول التقليدية التي قد تعرض العاملين لمخاطر صحية مباشرة”.
معايير السلامة المهنية
ويشير العنزي إلى أن “الحل لا يكمن في زيادة الأجور أو منح مخصصات استثنائية بسبب ارتفاع درجات الحرارة، إذ لا توجد تشريعات عالمية تعتمد هذا الأسلوب بشكل عام، وإنما في تطبيق معايير السلامة المهنية وتوفير مستلزمات الوقاية والاستجابة السريعة للحالات الطارئة، بما يشمل توفير أماكن مناسبة للراحة والتبريد، والاستعداد للتعامل مع حالات الإغماء أو الإجهاد الحراري داخل مواقع العمل”.
ويتابع العنزي بـ”التأكيد على أن مسؤولية حماية العاملين تقع على عاتق إدارات مؤسسات القطاعين العام والخاص”، داعياً إلى “اعتماد إجراءات مرنة خلال موجات الحر، مثل تأخير بدء العمل أو إيقافه مؤقتاً خلال ساعات الذروة عندما تبلغ درجات الحرارة مستويات خطرة”.

