شفقنا العراق-تنتشر الكتابات والإعلانات العشوائية على جدران المنازل والمدارس والمؤسسات الحكومية والجسور في العراق، لتفرض مشهدًا بصريًا فوضويًا على المدن.
يبدو أن بعض أصحاب الإعلانات قد اكتشفوا وسائل لا تحتاج إلى ترخيص ولا إلى إيجار مكاتب، فالجدار بالنسبة إليهم صحيفة يومية مفتوحة، وأغلب تلك الإعلانات مكتوبة بخط رديء، عبارات مثل نصب وصيانة أجهزة التكييف، صبغ البيوت والعمارات، هدم الدور ورفع الأنقاض، التأسيسات الصحية والكهربائية فضلا عن {كرين للأجرة}، الذي يتصدر المشهد الإعلاني بشكل لافت، يتبع ذلك كله درج أرقام الهواتف في تحد صريح للجهات ذات العلاقة بجماليات المدن عبر هذه السلوكيات غير المسؤولة.
أغلب الأماكن فقدت هويتها وباتت لوحة مجانية للمعلنين، والظاهرة ليست مجرد مخالفة قانونية بل شكل من أشكال التلوث البصري الذي يشوه وجه المدن ويغيّب جمالها. والأكثر إيلامًا أن هذه الكتابات تبرز في جدران المدارس والمؤسسات والبيوت التراثية التي أنفقت الدولة أموالًا طائلة لإعادة تأهيلها.
ظاهرة تستحق الوقوف
يستهجن الأكاديمي الدكتور نزار محمد عبد الله، ما يحصل من تشوهات في بعض البنايات والمدارس والبيوت التراثية وجسور المشاة، داعيًا في الوقت ذاته إلى ضرورة متابعة هذه الظواهر السلبية ومعالجتها، لأنها تعطي، في كثير من الأحيان، انطباعًا بأن المجتمعات التي يحكمها الجهل هي التي تنتج مثل هذه السلوكيات المدانة،
ويرى كاظم أن الكتابات التي تظهر على الجدران للترويج عن السلع والخدمات ومؤخرة السيارات لم تعد مجرد كلمات عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة تستحق التوقف عندها، خصوصًا عندما تتضمن أشعارًا أو حكمًا وأمثالًا مكتوبة بأخطاء إملائية فادحة، فتتحول العبارة التي يفترض أن تحمل معنى جميلًا إلى مصدر للتندر وتشويه للمشهد العام.
ويضيف أن المشكلة لا تكمن في رغبة الإنسان في التعبير عن نفسه أو كتابة بيت شعر يحبه، وإنما في اختيار المكان والطريقة، فضلًا عن ضرورة احترام اللغة العربية التي تمثل جزءًا من ثقافتنا وهويتنا، فليس من المعقول أن تتحول واجهات الأبنية والسيارات إلى صفحات مفتوحة لكل ما يخطر في البال.
ويؤكد أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالعقوبة وحدها، بل تبدأ من المدرسة والأسرة والإعلام، عبر تعزيز الذوق العام واحترام الفضاء المشترك، وتشجيع الشباب على التعبير عن أفكارهم بوسائل أكثر جمالًا ورقيًا، فالمجتمع المتحضر لا يُقاس بما يبنيه فقط، وإنما أيضًا بما يحرص على ألا يشوّه.
لافتات مشوهة
بهذا الصدد قال التربوي نبيل إبراهيم الزركوشي إنَّ فقدان الرقابة الحكومية، المتمثلة بدوائر البلدية، وعدم اضطلاعها بدورها الرقابي في محاسبة مَن يسيء إلى الذوق العام، من خلال تحويل الطرقات والجدران العامة والخاصة إلى لافتات مشوهة والكثير منها مكتوبة باليد وهي تُعلن عن المهن والخدمات، قد أسهمت في تفشّي هذه الظاهرة واستفحالها.
وقد أدّى ذلك إلى تشويه المظهر الحضاري للمدن، وإفقادها رونقها وجمالها، فضلًا عن الإساءة إلى الذوق العام، لذا، يجب على الدوائر المعنية أن تضطلع بدورها الرقابي،
ويرى الزركوشي ضرورة فرض غرامات مالية وعقوبات تتناسب مع حجم الإساءة التي تُحدثها مثل هذه الممارسات فضلًا عن إزالتها، ولا سيما أن الأشخاص الذين يقومون بهذه الأفعال يمكن الوصول إليهم بسهولة من خلال وسائل الاتصال التي يعلنون عنها ضمن تلك الكتابات.
أخطاء إملائيَّة
وأبدى الإعلامي عادل فاخر أسفه لشيوع هذه الظاهرة، التي عدها قديمة وليست جديدة ولكن اتسع نطاقها بشكل لافت وعلى مرأى جميع الجهات، واستغرب من كتابتها في الشوارع العامة وعلى جدران المدارس ودوائر الدولة والبيوت وجسور المشاة وحتى داخل الأحياء والأزقة، وعدها تنم عن قلة وعي لكون هذه الجدران ملكًا عامًا، لا سيما أن اللوحات الإعلانية ليست مكلفة الآن وهناك عدة وسائل لصناعتها عوضًا عن الإعلانات العشوائية التي تكتب في الغالب بأخطاء إملائية ولغوية تشوه الجدران كما يصعب محوها فيما بعد من قبل البلدية أو الجهات المختصة،
وهنا لابد من فرض غرامات على من يقوم بتلك الأفعال كما في أغلب دول العالم، ولابد من توعية عبر وسائل الإعلام ومسؤولي البلديات، وحتى من خلال المنابر الدينية بمخاطر الظاهرة وما تتركه من أثر أو انطباع سلبي لدى السائح العربي أو الأجنبي.
الجنبة القانونيَّة
أشار الحقوقي د. ناصر عمران إلى أن الكتابة على جدران ومرافق الغير أو المؤسسات الحكومية بنسبة أقل تشكل مخالفات تنظيمية وتجريمية في بعضها، والموقف القانوني هو تجريم هذا السلوك وفق أحكام المادة 477/2 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل، وهو النص الأكثر انطباقًا على الفعل، إذ يعاقب من «خرب أو أتلف أو شوّه عمدًا أي بناء معد لاستعمال الجمهور أو نصب قائم في ساحة عامة».
ولذلك فإن الكتابة أو الرسم أو الطلاء على جدار أو مرفق عام متى أدى إلى تشويهه يمكن أن يدخل في هذا النص. أما إذا كانت الكتابة على عقار خاص مملوك للغير، فيمكن أن تنطبق المادة 477/1 إذا شكل الفعل تخريبًا أو إتلافًا أو إضرارًا بالعقار أو جعله غير صالح للاستعمال أو عطله بأي كيفية، وهنا لا يبقى الأمر مجرد «تشويه جدار»، وإنما يمكن أن تتعدد الأوصاف القانونية بحسب مضمون العبارة.
فمثلًا: كتابة تهديد لشخص على جدار قد تؤدي إلى تحقق جريمة التهديد متى توافرت عناصرها. وإذا كانت الكتابة تتضمن إسناد واقعة مشينة لشخص قد تتحقق جريمة القذف، كذلك هناك كتابة تتضمن عبارات مخلة بالآداب العامة قد تحقق تطبيق النصوص الخاصة بمخالفة الآداب والأخلاق العامة، وبالتالي فإن مضمون الكتابة قد ينشئ جريمة مستقلة بالإضافة إلى جريمة التشويه أو الإضرار بالممتلكات.

