شفقنا العراق-سلطت نتائج تقويم رقابي الضوء على فجوة بين النشاطات والبرامج المعلنة في ملف البيئة وبين الواقع الميداني، حيث لا تزال محطات الرصد متوقفة في محافظات ذات نشاط نفطي وصناعي كثيف، فيما تغيب قواعد البيانات والاستراتيجيات الوطنية اللازمة لمواجهة المخاطر المناخية.
كشفت مسودة تقرير لديوان الرقابة المالية الاتحادي عن اختلالات واسعة في أداء وزارة البيئة بملف مواجهة التغير المناخي، شملت غياب استراتيجية وطنية متكاملة، وتعطل معظم محطات مراقبة نوعية الهواء في عدد من المحافظات، وضعف أنظمة الرصد والإنذار المبكر، فيما أثارت نتائج التقرير تساؤلات لدى مختصين بشأن كفاءة إنفاق التخصيصات الحكومية والمنح الدولية الموجهة إلى القطاع البيئي.
وتناولت مسودة تقرير نتائج تقويم الأداء التخصصي لإجراءات وزارة البيئة في الحد من مسببات التغيرات المناخية وتقليل آثارها، خلال الفترة الممتدة من عام 2022 وحتى منتصف 2026، جملة من أوجه الخلل المؤسسي والفني في عمل الوزارة.
وأظهرت نتائج التقرير، الذي اطلعت عليه «المدى»، افتقار العراق إلى نظام وطني متكامل للرصد والإنذار المبكر لمواجهة العواصف والفيضانات وموجات الجفاف، في مخالفة للتعهدات الواردة في وثيقة المساهمات المحددة وطنيا (NDC).
وكشف التقرير عن حالة شلل شبه تام في شبكات ومحطات مراقبة نوعية الهواء والمناخ، إذ تبين أن أغلب المحطات في بغداد ومحافظات رئيسية، بينها البصرة ونينوى وكركوك، إما معطلة أو خارج الخدمة، ما يحرم الجهات المعنية من البيانات الدقيقة اللازمة للتنبؤ بالكوارث واتخاذ القرارات الاستباقية.
وبحسب التقديرات الوطنية الواردة في التقرير، فإن عدم تنفيذ المشاريع الوقائية يكبد العراق خسائر سنوية تقدر بنحو 5 مليارات دولار، إلى جانب مخاطر بشرية وصحية واجتماعية ناجمة عن نزوح العائلات وتدهور التنوع البيولوجي.
غياب الاستراتيجيات
ولم تقتصر الملاحظات الرقابية على الجانب التقني، إذ سجل التقرير أوجه خلل تتعلق بغياب الاستراتيجيات، وإهمال الحلول المستدامة، وضعف استخدام التكنولوجيا الحديثة، وانعدام قواعد البيانات.
وأشار إلى أن النهج الحكومي الحالي ما يزال يعتمد على تقديم التعويضات المالية بعد وقوع الكوارث، بدلا من الاستثمار في برامج الوقاية والتحرك الاستباقي، بما يضاعف الكلفة المالية والإنسانية. كما كشف عن ضعف التنسيق بين الحكومة المركزية والمحافظات في إدارة الأراضي والموارد المائية، إلى جانب غياب تشريع وطني شامل للتعامل مع التغير المناخي كتهديد أمني استراتيجي ومستدام.
ويرى المراقب البيئي علي الأهواري أن نتائج التقرير تكشف فجوة كبيرة بين ما يفترض أن تمتلكه وزارة البيئة من إمكانات وموارد، وبين ما هو موجود فعليا على الأرض، مشيرا إلى أن القضية الأساسية تتعلق بكيفية انعكاس الأموال المرصودة للوزارة والمنح الدولية على مستوى الخدمات والمشاريع البيئية.
وقال الأهواري إن وزارة البيئة تعتمد، إلى جانب التخصيصات الحكومية، على منح دولية تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، مقدمة من جهات وصناديق دولية، بينها صندوق المناخ الأخضر والأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة والاتحاد الأوروبي واليابان.
وأضاف أن هذه الأموال يفترض، بحسب طبيعة البرامج المعلنة، أن توجه إلى مشاريع التكيف مع التغير المناخي والاستدامة والتدريب وتطوير القدرات والإمكانات الفنية للوزارة، متسائلا عن أسباب استمرار النقص في أدوات الرصد البيئي رغم وجود تلك الموارد.
وأشار الأهواري إلى أجهزة قياس نوعية الهواء بوصفها مثالا على هذه المفارقة، موضحا أن عددا منها معطل في محافظات مختلفة، فيما تشير، بحسب قوله، معلومات منشورة إلى أن كلفة إصلاح الجهاز الواحد قد لا تتجاوز نحو 500 ألف دينار.
ولفت إلى أن محافظة ميسان، التي تضم نشاطا نفطيا وحقولا وشركات عاملة في قطاع الطاقة، تعاني بدورها من أعطال في أجهزة قياس نوعية الهواء، رغم الحاجة إلى مراقبة مستمرة لمستويات التلوث.
وأضاف أن المشكلة تمتد إلى محافظات أخرى، في وقت يفترض أن توفر منظومة الرصد البيئي بيانات دقيقة ومستمرة عن مستويات التلوث، ولا سيما في المناطق التي تشهد نشاطا صناعيا ونفطيا كثيفا.
وقال الأهواري إن استمرار توقف أجهزة القياس، في ظل وجود تخصيصات حكومية ومنح دولية، يستدعي كشفا شفافا عن أوجه الصرف والجهات المستفيدة ونسب الإنجاز ونتائج المشاريع الممولة، إلى جانب تحديد المسؤولية عن تعطل منظومة الرصد البيئي.
وأكد أن القضية تتعلق بمال عام ومنح دولية يفترض أن تنعكس في صورة خدمات ومشاريع وأدوات حماية بيئية، متسائلا عن أسباب بقاء أجهزة قياس الهواء خارج الخدمة.

