شفقنا العراق-رغم تسجيل العراق فائضاً في الميزان التجاري خلال 2024، تكشف بيانات التجارة الخارجية عن اختلال هيكلي واضح؛ فالصادرات تكاد تكون نفطية بالكامل، بينما تستحوذ الواردات على عشرات المليارات من الدولارات لتمويل سلع يمكن إنتاج جزء كبير منها محلياً.
مفارقة واضحة تكشفها بيانات البنك المركزي العراقي في تجارة العراق الخارجية، ولكون اغلب البيانات للعام الحالي والماضي غير مكتملة بسبب الحرب الامريكية الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، الذي يعد الطريق المهم للتبادل التجاري بين العراق ودول العالم اعتمدنا بيانات عام 2024 كإحصائية لهذه المفارقة، فبينما بلغت قيمة الصادرات في هذا العام نحو 99.76 مليار دولار، سجلت الاستيرادات نحو 74.30 مليار دولار، ليحقق العراق فائضاً في الميزان التجاري قدره 25.46 مليار دولار.
وبعبارة أخرى، فإن العراق صدّر خلال عام واحد ما تزيد قيمته بنحو 34.3 بالمئة على قيمة ما استورده، فيما بلغت الاستيرادات نحو 74.5 بالمئة من إجمالي قيمة الصادرات، وهذه الأرقام تعني أن كل 100 دولار دخلت العراق من صادرات السلع، قابلها نحو 74.5 دولاراً خرجت لتمويل استيراد السلع.
لكن قراءة الرقم الإجمالي للصادرات تكشف أن هذا الفائض التجاري لا يعكس قوة مماثلة في القطاعات الإنتاجية العراقية، إذ استحوذ النفط الخام على نحو 96.19 مليار دولار من إجمالي الصادرات، أي ما يقارب 96.4 بالمئة من صادرات العراق السلعية خلال العام.
الخبير الاقتصادي ضياء المحسن يبين أن “جوهر المشكلة لا يكمن في ارتفاع الاستيرادات العراقية فحسب، وإنما في استيراد سلع ومواد يمتلك العراق مقومات إنتاج جزء كبير منها محلياً، في ظل ضعف القطاعات الصناعية والزراعية والتحويلية، ما يجعل عائدات النفط تموّل طلباً محلياً على منتجات أجنبية بدلاً من توجيهها نحو بناء قاعدة إنتاجية وطنية”.
ويشير المحسن إلى أن “العراق يستورد سنوياً مواد يمكن أن تشكل أساساً لصناعات محلية، من بينها المشتقات النفطية والوقود عالي الأوكتان، والأسمدة مثل الفوسفات واليوريا، والمواد الكيميائية الأساسية، ومواد البناء والزجاج ومقاطع الحديد، فضلاً عن الصناعات الغذائية والتحويلية والمستلزمات الطبية والدوائية”.
ويؤكد أن “أهمية المشكلة تكمن في حجم الإنفاق على هذه السلع القابلة للإنتاج المحلي، إذ إن استمرار استيرادها يعني خروج العملة الأجنبية وتفويت فرص إنشاء مصانع ومشاريع إنتاجية داخل العراق، وبالتالي استمرار ما يصفه بـ(تصدير فرص العمل) إلى الخارج”.
ويضيف المحسن أن “العراق يمتلك بيانات وقوائم رسمية يمكن من خلالها تحديد السلع القابلة للإنتاج محلياً، إلا أن تشتت البيانات بين الجهات الحكومية، وضعف الأتمتة الجمركية، والتجارة غير الرسمية والتهريب، والفجوة بين الطاقات الإنتاجية المسجلة والقدرات الفعلية للمصانع، كلها عوامل تعرقل بناء صورة دقيقة عن حجم الاستيرادات التي يمكن إحلال الإنتاج المحلي محلها”.
ويشدد المحسن على أن “الحل لا يتمثل في منع الاستيراد بصورة عشوائية، بل في إعداد خريطة دقيقة لفاتورة الاستيراد وتحديد السلع التي يمكن إنتاجها محلياً، واحتساب قيمتها بالدولار، ثم مقارنة كلفة إنتاجها محلياً بكلفة استيرادها، لتحديد القطاعات التي يمكن أن تحقق إحلالاً حقيقياً للواردات، من دون تحميل المستهلك أعباء إضافية”.
الاستيراد المفرط للسلع
وفي هذا السياق يوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء الدكتور مظهر محمد صالح أن “الاستيراد المفرط للسلع التي يمكن إنتاجها محلياً يمثل ضغطاً مستمراً على موارد العراق من العملة الأجنبية، في ظل اعتماد الاقتصاد بصورة رئيسية على عائدات النفط كمصدر للدولار”، مبيناً أن “كل توسع في الطلب على السلع المستوردة يقابله ارتفاع في الطلب على العملات الأجنبية، ما يزيد حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية”.
ويشير صالح إلى أن “الفجوة الكبيرة بين الصادرات غير النفطية والواردات تكشف عن اختلال هيكلي في الاقتصاد العراقي، إذ بلغت صادرات العراق غير النفطية نحو 4.4 مليارات دولار خلال عام 2024، مقابل واردات قاربت 82.2 مليار دولار، ما يعكس محدودية قدرة القطاعات الإنتاجية المحلية على تلبية الطلب الداخلي والمنافسة في الأسواق الخارجية”.
تقليص الاستيراد
ويؤكد صالح أن “المشكلة لا تكمن في قيمة الاستيرادات بحد ذاتها، وإنما في تركيبتها وإمكانية إحلال جزء منها بإنتاج محلي كفوء، لأن تقليص استيراد السلع التي يمتلك العراق قدرة حقيقية على إنتاجها، من شأنه أن يخفف الطلب على الدولار، ويحد من خروج العملة الأجنبية، ويدعم الإنتاج وفرص العمل والدخل الوطني”.
ويلفت إلى أن “قوة الاحتياطيات الأجنبية، رغم أهميتها في امتصاص الصدمات، لا تلغي المخاطر الهيكلية الناتجة عن استمرار الاعتماد الكبير على النفط، خصوصاً مع تعرض الإيرادات النفطية والتجارة الخارجية للتقلبات المرتبطة بالأسواق العالمية والتوترات الجيوسياسية”.
ويشدد صالح على أن “معالجة الخلل لا تكون بإغلاق السوق العراقية أو فرض قيود شاملة على الاستيراد، وإنما من خلال سياسة مدروسة لإحلال الواردات، تستهدف السلع التي يمتلك العراق فيها قدرة حقيقية على الإنتاج والمنافسة، مع دعم الزراعة والصناعات الغذائية والدوائية والإنشائية، وتطوير سلاسل القيمة المحلية وخفض تكاليف الإنتاج وتحسين الجودة”.
ويتابع أن “القضية لا تتعلق بحجم الاستيراد فقط، بل بكيفية توجيه الإنفاق الخارجي نحو ما يحتاجه الاقتصاد فعلاً، وتحويل جزء من الإنفاق على المنتجات الأجنبية إلى إنتاج محلي قادر على المنافسة، بما يقلل الطلب على العملة الأجنبية، ويخلق فرص عمل، ويعزز قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة تقلبات أسعار النفط والأسواق العالمية”.

